أحمد الرحالي
تتكرر مشاهد الاندفاع العاطفي المغربي تجاه منتخبات الجوار لتكشف عن خلل بنيوي في فهم منطق الندية، حيث يسقط المشجع المغربي في فخ “السذاجة” التي تتجاوز حدود اللباقة؛ فبينما تُفتح المدرجات والقلوب لمساندة “الأشقاء” بمنطق الأخوة الفطرية، تُقابل هذه الروح الرياضية بفيض من الشماتة الممنهجة في منصات الجيران. هذا السخاء غير المشروط لم يعد يُنظر إليه كسمو أخلاقي، بل صار يُفسر في الفضاء الرقمي كضعف في الشخصية الرياضية، مما يجعل المشجع المغربي يقدم دعماً مجانياً لخصومٍ يتربصون بأسود الأطلس وينتظرون لحظة انكسارهم بلهفة وتشفٍّ.
وبالموازاة مع ذلك، وجد مؤثرون وصناع محتوى أجانب في “براءة” وسذاجة بعض المغربيات صيداً سهلاً لتحقيق “بوز” رخيص وملايين المشاهدات؛ إذ يتم استدراج المشجعات في الملاعب والساحات عبر حوارات مفخخة تستهدف انتزاع تصريحات مطبوعة بالعفوية المفرطة. هؤلاء المتربصون لا يهدفون لتوثيق جمالية التشجيع، بل يسعون لتحويل المغربيات إلى مادة للسخرية المبطنة، عبر تصويرهن في هيئة المتملقات لمديح الغرباء، مما يجعلهن عرضة لتنمر عربي واسع يقتات على صور نمطية مهينة ترسخت بسبب غياب الحذر من كاميرات المتربحين.
وعلاوة على ذلك، تحول “الكرم المغربي” الزائد تجاه الضيوف والمؤثرين إلى وسيلة لجلد الذات، حيث يتم استغلال حفاوة الاستقبال لتمرير فيديوهات تُظهر المغربي بمظهر “المستجدي” للقبول والاعتراف. إن المبالغة في الاحتفاء بكل عابر سبيل يحمل كاميرا، جعلت من الهوية المغربية “ديكوراً” لزيادة التفاعل في حسابات أجنبية، حيث يُقابل هذا السخاء ببرود تام أو سخرية في الصالونات الرقمية العربية التي تعتبر الاندفاع المغربي نوعاً من “التبعية العاطفية” التي تفتقر للرزانة والسيادة النفسية أمام الآخر.
ومن هذا المنطلق، يظهر أن “سياسة القلب المفتوح” قد فُهمت بشكل خاطئ من طرف المتربصين، مما شجع كل باحث عن الشهرة لكي يجعل من “بساطتنا” وسيلة للتحقير والضحك على الأذقان. إن هؤلاء المؤثرين الذين يوزعون المديح الزائف في شوارعنا ليضمنوا مساندة مدرجاتنا، هم أنفسهم من ينقلبون للسخرية من “سرعة تصديقنا” في كواليسهم، مستغلين العاطفة المغربية سريعة الاشتعال التي تندفع خلف شعارات “الأخوة” الزائفة التي لا تظهر إلا حين تقتضي مصالحهم حشد الدعم المغربي المجاني.
وبناءً عليه، بات من الضروري قطع الطريق على هذا الاستغلال الممنهج عبر تبني منطق “الندية” وفرض الاحترام كقاعدة أساسية في التعامل؛ فاحترام الذات يبدأ من الكف عن توزيع المشاعر والكرم لمن لا يقدرها، وحماية المغربيات من فخاخ “تجار البوز” تتطلب وعياً جمعياً يحول دون تحويل “تمغربيت” إلى سذاجة مستباحة للضحك العربي. إن الكرامة الوطنية لا تُبنى بالاستجداء العاطفي، بل بوضع حدود فاصلة بين الترحيب الراقي بالضيف وبين السقوط في فخ الاستغلال الذي يُهين صورة الوطن ومواطنيه.


































