المغرب وإسبانيا الشراكة الأمنية أقوى من ضجيج اليمين المتطرف

Imou Media7 سبتمبر 2026
المغرب وإسبانيا الشراكة الأمنية أقوى من ضجيج اليمين المتطرف

المغرب وإسبانيا الشراكة الأمنية أقوى من ضجيج اليمين المتطرف

رغم تباين المواقف السياسية وعودة بعض الخطابات المتشددة في إسبانيا إلى واجهة النقاش حول المغرب، تواصل العلاقات المغربية الإسبانية الحفاظ على أحد أكثر مساراتها أهمية، ويتعلق الأمر بالتعاون الأمني الذي تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى ركيزة أساسية في تدبير عدد من الملفات الحساسة التي تهم البلدين والمنطقة المتوسطية ككل.

فالموقع الجغرافي للمغرب وإسبانيا يجعل التعاون بينهما أمراً يتجاوز الحسابات السياسية الظرفية. مضيق جبل طارق لا يفصل فقط بين ضفتين، بل يضع البلدين أمام تحديات مشتركة مرتبطة بالأمن والهجرة والجريمة المنظمة والتهريب ومكافحة الإرهاب.

الأمن لغة المصالح المشتركة

أثبتت التجربة أن التعاون الأمني بين الرباط ومدريد أصبح أكثر انتظاماً ومؤسساتية، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات والتنسيق بين الأجهزة المختصة ومواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

وتكمن أهمية هذا التعاون في أن التحديات التي تواجه البلدين لا تتوقف عند الحدود الوطنية. فالشبكات التي تنشط في الاتجار بالبشر والمخدرات والهجرة غير النظامية تستفيد من الطابع العابر للحدود، الأمر الذي يجعل التنسيق الأمني بين الضفتين ضرورة عملية وليس مجرد خيار سياسي.

كما أن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب عزز موقع المغرب كشريك أمني مهم بالنسبة إلى إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية، في ظل الحاجة إلى تبادل المعلومات والتنسيق الاستباقي لمواجهة المخاطر المحتملة.

سبتة ومليلية ملف حاضر في السجال السياسي

في المقابل، تظل ملفات سبتة ومليلية والهجرة من أكثر القضايا التي تستثمرها بعض القوى السياسية الإسبانية في خطابها الداخلي.

وقد كان حزب فوكس من أبرز الأصوات التي اختارت التصعيد في هذا الملف، خصوصاً خلال أزمة الهجرة في سبتة سنة 2021، حين استخدم قادة الحزب لغة شديدة اللهجة تجاه المغرب وطالبوا باتخاذ إجراءات سياسية أكثر صرامة ضد الرباط.

غير أن تحويل هذه الملفات إلى مادة انتخابية لا يلغي حقيقة أساسية: العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على التصريحات السياسية، وإنما على شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية التي يصعب اختزالها في خطاب حزبي عابر.

وهنا تبرز ضرورة الفصل بين الموقف الرسمي للدولة الإسبانية وبين مواقف الأحزاب التي تتحرك وفق حسابات انتخابية وسياسية داخلية.

المغرب من التعاون الأمني إلى الشراكة الاستراتيجية

خلال السنوات الماضية، عمل المغرب على تطوير منظومته الأمنية والمؤسساتية، مع التركيز بصورة متزايدة على الاستباق وتبادل المعلومات والتنسيق الدولي.

ولم يعد التعاون المغربي مع شركائه مقتصراً على مواجهة الأخطار بعد وقوعها، بل أصبح يعتمد بدرجة أكبر على تحليل المعلومات وتتبع الشبكات والتنسيق المسبق، وهو ما جعل المملكة طرفاً مهماً في المعادلة الأمنية للمنطقة.

ويعود جزء من أهمية المغرب أيضاً إلى موقعه الجغرافي؛ فهو يوجد في نقطة التقاء بين أوروبا وشمال إفريقيا، وعلى مقربة من منطقة الساحل والصحراء، فضلاً عن انفتاحه على الواجهة الأطلسية.

وهذا الموقع يمنح المملكة أهمية تتجاوز محيطها المباشر، خصوصاً في ظل التداخل المتزايد بين ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهريب.

أوروبا تنظر إلى الرباط من زاوية أوسع

بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لم يعد المغرب مجرد بلد عبور للمهاجرين نحو أوروبا. فقد تطورت العلاقات لتشمل ملفات متعددة، من التجارة والاستثمار إلى الطاقة والهجرة والأمن.

وتدرك العواصم الأوروبية أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار المغرب وقدرته على تدبير حدوده ومواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

كما أن انخراط المغرب المتزايد في محيطه الإفريقي يمنحه هامشاً إضافياً للتحرك، خصوصاً في منطقة الساحل التي أصبحت واحدة من أكثر بؤر التوتر تعقيداً في القارة.

بين الخطاب الانتخابي وحسابات الدولة

المشكلة ليست في وجود خلافات سياسية بين المغرب وبعض الأحزاب الإسبانية؛ فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. الإشكال يبدأ عندما تتحول قضايا استراتيجية إلى أدوات للاستهلاك الانتخابي، أو عندما يجري تقديم العلاقة مع المغرب باعتبارها ملفاً أمنياً فقط.

فالمعادلة أكثر تعقيداً.

هناك جغرافيا مشتركة، ومصالح اقتصادية متبادلة، وتعاون أمني متواصل، وحركة تجارية وبشرية واسعة، فضلاً عن ملفات إقليمية لا يمكن لأي من الطرفين التعامل معها منفرداً.

ولهذا، فإن ارتفاع منسوب الخطاب المتشدد من جانب بعض القوى السياسية لا يعني بالضرورة انهيار قنوات التعاون بين المؤسسات.

شراكة تحتاج إلى الواقعية لا إلى المزايدات

المستقبل يفرض على الرباط ومدريد البحث عن أرضية أكثر استقراراً لتدبير الملفات الخلافية، بعيداً عن ردود الفعل الإعلامية وعن محاولة توظيف العلاقات الثنائية في الصراعات الانتخابية.

فالمغرب، بحكم موقعه وإمكاناته وعلاقاته الإفريقية والأوروبية، أصبح جزءاً من معادلة أمنية أوسع في المنطقة.

وإسبانيا، بحكم موقعها الجغرافي داخل الاتحاد الأوروبي وقربها المباشر من شمال إفريقيا، معنية بدورها بالحفاظ على قنوات اتصال فعالة مع الرباط.

وفي نهاية المطاف، قد تتغير الحكومات والأحزاب، وقد ترتفع أو تنخفض حدة التصريحات السياسية، لكن الجغرافيا لا تتغير، والمصالح الاستراتيجية لا تختفي بتغير المواسم الانتخابية.

لذلك تبدو الشراكة المغربية الإسبانية أمام اختبار حقيقي: هل ستظل رهينة للخطاب السياسي الظرفي، أم ستتجه نحو ترسيخ تعاون مؤسساتي أكثر نضجاً، قادراً على استيعاب الخلافات دون التضحية بالمصالح المشتركة؟

الجواب، إلى حد كبير، ستحدده قدرة الطرفين على تغليب منطق الدولة والمصلحة المشتركة على منطق المزايدة السياسية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.