المشاريع الكبرى في المغرب تصطدم بندرةة اليد العاملة هل أخفقت سياسات التشغيل في مواكبة التحولات؟

Imou Media30 يوليو 2026
المشاريع الكبرى في المغرب تصطدم بندرةة اليد العاملة هل أخفقت سياسات التشغيل في مواكبة التحولات؟

المشاريع الكبرى في المغرب تصطدم بندرةة اليد العاملة هل أخفقت سياسات التشغيل في مواكبة التحولات؟

بينما يواصل المغرب إطلاق أوراش تنموية كبرى في مجالات البنيات التحتية، والإسكان، والصناعة، والطاقات المتجددة، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، برز تحد جديد يهدد وتيرة تنفيذ هذه المشاريع، يتمثل في الخصاص المتزايد في اليد العاملة، خاصة في المهن التقنية والحرفية، رغم استمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، ولا سيما في صفوف الشباب.

هذه المفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع سوق الشغل بالمغرب، حيث يقابل وجود آلاف الباحثين عن العمل صعوبة متزايدة تواجهها المقاولات في إيجاد عمال مؤهلين للعمل في قطاعات البناء والأشغال العمومية، والفلاحة، والصناعة، والنقل واللوجستيك، والسياحة، وغيرها من القطاعات الحيوية.

ولم يعد الأمر يتعلق فقط بنقص في عدد العمال، بل باختلال واضح بين حاجيات الاقتصاد الوطني ومخرجات سوق الشغل. فالكثير من المهن التي تتطلب جهدا بدنيا أو تكوينا تقنيا لم تعد تستقطب الشباب، في ظل ضعف الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة ظروف العمل، وغياب التحفيز المهني، إضافة إلى محدودية التغطية الاجتماعية لدى عدد من المشغلين.

ويحذر مهنيون من أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس سلبا على إنجاز المشاريع الاستراتيجية التي يعول عليها المغرب خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع تزايد الطلب على عمال البناء، والكهربائيين، والميكانيكيين، والحدادين، والنجارين، وسائقي الآليات الثقيلة، وتقنيي الصيانة، وهي تخصصات تعرف خصاصا متناميا.

وفي القطاع الفلاحي، أصبحت ندرة اليد العاملة الموسمية تؤرق المنتجين خلال مواسم الجني والحصاد، في وقت تستقطب فيه أسواق أوروبية عددا متزايدا من العمال المغاربة عبر عقود عمل توفر أجورا أفضل وظروفا اجتماعية أكثر جاذبية، وهو ما يفاقم أزمة الموارد البشرية داخل الضيعات الفلاحية المغربية.

ولا يختلف الوضع كثيرا داخل القطاع الصناعي، إذ تواجه العديد من الوحدات الإنتاجية، خاصة في صناعات السيارات والطيران والنسيج والصناعات الغذائية، صعوبات متزايدة في استقطاب العمال والتقنيين، رغم التوسع الصناعي الذي تعرفه المملكة خلال السنوات الأخيرة.

ويضع هذا الواقع وزارة الادماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات أمام مسؤولية كبيرة لتطوير سياسات تشغيل أكثر نجاعة، تقوم على استشراف حاجيات سوق العمل، وربط برامج التكوين المهني بالتخصصات المطلوبة، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل الباحثين عن العمل وتمكينهم من المهارات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.

كما يطالب فاعلون اقتصاديون بإحداث مرصد وطني دائم لتتبع تطورات سوق الشغل، ورصد المهن التي تعرف خصاصا، حتى تتمكن مؤسسات التكوين من مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها مختلف القطاعات الإنتاجية.

وفي المقابل، يرى خبراء أن جزءا مهما من المسؤولية يقع أيضا على عاتق عدد من المقاولات، التي ما زالت تعتمد نماذج تشغيل تقوم على الحد الأدنى من الأجور، وساعات عمل طويلة، وضعف الاستثمار في تكوين المستخدمين وتحسين ظروف العمل. ومع تزايد فرص الهجرة القانونية نحو أوروبا والخليج، أصبح العامل المغربي أكثر قدرة على المقارنة بين ما يعرض عليه داخل الوطن وما توفره أسواق العمل الخارجية.

وتؤكد تجارب دولية أن تحسين الأجور، وتوفير بيئة عمل آمنة، واحترام الحقوق الاجتماعية، وفتح آفاق للتطور المهني، تعد من أهم العوامل التي تساهم في استقرار اليد العاملة والرفع من الإنتاجية، وهو ما يحتاجه المغرب اليوم أكثر من أي وقت مضى.

كما تتحمل مؤسسات التكوين المهني والجامعات مسؤولية مراجعة برامجها لتتلاءم مع التحولات الاقتصادية والرقمية، والانتقال من تخريج أفواج في تخصصات مشبعة إلى تكوين كفاءات تستجيب للحاجيات الحقيقية للمقاولات وسوق الشغل.

ويرى متابعون أن نجاح المشاريع الكبرى التي انخرط فيها المغرب لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الأوراش المفتوحة، بل بقدرة البلاد على توفير رأسمال بشري مؤهل ومحفز، قادر على قيادة هذه المشاريع وإنجازها في الآجال المحددة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية وطنية متكاملة تشارك فيها الحكومة، والقطاع الخاص، ومؤسسات التكوين، والنقابات، والهيئات المهنية، من أجل إعادة الاعتبار للمهن التقنية والحرفية، وتحسين جاذبيتها، والرفع من الأجور، وربط التكوين بالتشغيل، حتى لا تتحول أزمة اليد العاملة إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه النمو الاقتصادي والتنمية في المغرب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.