بين القانون والإنصاف : هل يتحول الفنان المغربي إلى ضحية تضارب النصوص؟

Imou Media17 أبريل 2026
بين القانون والإنصاف : هل يتحول الفنان المغربي إلى ضحية تضارب النصوص؟

بين القانون والإنصاف: هل يتحول الفنان المغربي إلى ضحية تضارب النصوص؟

عمر بالكوجا أكادير

لم يعد النقاش الدائر حول وضعية الفنان المغربي، وخاصة في الوسط الأمازيغي السوسي، مجرد تفاعل مهني عابر، بل تحول إلى قضية رأي عام تضع الإطار القانوني برمته تحت مجهر التساؤل. فمع تصاعد مؤشرات التوتر بين

عدد من الفنانين والإدارة المكلفة بالتحصيل، يطفو على السطح إشكال أعمق يتعلق بمدى انسجام النصوص القانونية مع خصوصية الممارسة الفنية، وحدود العدالة في تطبيقها.

المعطيات المتداولة اليوم تكشف عن شعور متنامٍ لدى فئة واسعة من الفنانين بوجود ضغط غير متكافئ، خاصة في ما يتعلق بمساطر تحصيل الديون العمومية. فبدل المرور السلس عبر مراحل التحصيل الودي كما ينص عليها

القانون رقم 97.15، يشتكي البعض من تسريع وتيرة الإجراءات، وصولاً إلى التهديد بالحجز أو الإكراه البدني داخل آجال قصيرة، وهو ما يثير علامات استفهام حول احترام مبدأ التدرج القانوني وضمانات المحاكمة العادلة.

ولا يقف الجدل عند هذا الحد، بل يمتد إلى ما يعتبره مهنيون نوعاً من “الازدواجية” في الالتزامات، حيث يجد الفنان نفسه مطالباً بالأداء الضريبي والاجتماعي في سياق لا تزال فيه منظومة الحماية الخاصة به تعاني من اختلالات بنيوية. فالقانون رقم 68.16 المتعلق بالفنان والمهن الفنية، رغم

أهميته، لم يُفَعَّل بالشكل الكافي لضمان استقرار مهني واجتماعي حقيقي، في حين يظل القانون رقم 98.15 الخاص بالتأمين الإجباري عن المرض رهين تأخر بعض نصوصه التطبيقية، ما يفرغ جزءاً من أهدافه من مضمونها.

هذا التداخل بين النصوص، وغياب التنزيل الكامل لبعضها، يضع الفنان في موقع هش، بين واجب الأداء من جهة، وغياب حماية اجتماعية متكاملة من جهة أخرى. وهو وضع يطرح سؤال العدالة الجبائية: كيف يمكن فرض التزامات كاملة في ظل حقوق غير مكتملة؟

الأكثر إثارة للقلق هو تسجيل حالات مس بالحسابات البنكية لبعض الفنانين، في إجراءات يرى فيها متتبعون مساساً بالاستقرار المهني والاجتماعي، خاصة وأن طبيعة العمل الفني تتسم بعدم الانتظام والدخل المتذبذب، ما يستدعي مقاربة أكثر مرونة وتفهماً.

في المقابل، تؤكد المدونة العامة للضرائب على ضرورة وضوح وشفافية الإجراءات، وهو ما يجعل أي تأويل متشدد للنصوص محل نقاش قانوني وأخلاقي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفئة تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية الثقافية والإبداع الوطني.

إن ما يجري اليوم يكشف عن حاجة ملحة لإعادة قراءة منسجمة للمنظومة القانونية المؤطرة لقطاع الفن، قراءة تُوازن بين متطلبات الخزينة العامة وخصوصية الفنان. كما يبرز دور الهيئات التمثيلية والنقابية التي تجد نفسها أمام اختبار حقيقي للدفاع عن حقوق منتسبيها، والمساهمة في تأطير نقاش عمومي مسؤول.

القضية، في جوهرها، ليست مواجهة بين فنان وإدارة، بل هي سؤال دولة القانون: هل تُطبق النصوص بروحها أم بحرفيتها فقط؟ وهل يمكن تحقيق العدالة دون مراعاة الفوارق المهنية والاجتماعية؟

أمام هذا الوضع، تتعالى الأصوات مطالبة بفتح حوار جدي يفضي إلى حلول متوازنة، تضمن كرامة الفنان واستقراره، دون الإخلال بواجباته القانونية. لأن الفنان، في نهاية المطاف، ليس مجرد فاعل اقتصادي، بل حامل لذاكرة المجتمع وصوت لهويته.

وفي انتظار وضوح أكبر، يستمر الجدل وتبقى الكرامة خطاً أحمر لا يقبل التأويل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.