تجريم الإثراء غير المشروع : حين تتحول مكافحة الفساد إلى “خطر” في خطاب وزير العدل

Imou Media28 ديسمبر 2025
تجريم الإثراء غير المشروع : حين تتحول مكافحة الفساد إلى “خطر” في خطاب وزير العدل

تجريم الإثراء غير المشروع: حين تتحول مكافحة الفساد إلى “خطر” في خطاب وزير العدل

كلما عاد النقاش حول تجريم الإثراء غير المشروع إلى الواجهة، عادت معه تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، التي تثير الجدل أكثر مما تقدّم أجوبة. ففي دفاعه المستميت عن سحب هذا المقتضى من مشروع القانون الجنائي، قدّم الوزير قراءة اعتبرها كثيرون أقرب إلى خطاب شعبوي متوجّس، منه إلى رؤية قانونية منسجمة مع التزامات الدولة في مجال محاربة الفساد.
وهبي، الذي قدّم نفسه مدافعًا عن الحريات الفردية وقرينة البراءة، ذهب إلى حد التحذير من أن تجريم الإثراء غير المشروع قد يحوّل “كل مواطن ثري” إلى متهم، معتبراً أن الثروة مسألة “نسبية”، وأن مساءلة المسؤول العمومي عن مصدر ثروته تمس جوهر الحقوق الدستورية. خطاب أثار استغراب فاعلين حقوقيين وقانونيين، بل وسخرية البعض، لما يحمله من مبالغة وتناقض مع أبسط قواعد الحكامة الجيدة.
غير أن جوهر النقاش لا يتعلق، كما يحاول الوزير تقديمه، بملاحقة المواطنين أو المساس بحرياتهم، بل بمساءلة فئة محددة: المسؤولين العموميين الذين تظهر فجوة صارخة بين دخلهم المشروع وحجم ثرواتهم. وهو جوهر تبنته تجارب دولية عديدة، كما نصّت عليه صراحة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تعتبر تجريم الإثراء غير المشروع أداة مركزية لحماية المال العام وردع الفساد البنيوي.
في السياق المغربي، يبدو أن هذا المنطق ينقلب رأسًا على عقب. فبدل أن يُنظر إلى القانون كآلية لضبط السلطة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يُقدَّم كخطر محتمل على “الانطباع العام” أو كمدخل للمزايدات. مفارقة تزداد حدّة حين نتذكر أن عبد اللطيف وهبي نفسه سبق أن ناقش هذا المشروع داخل لجنة العدل والتشريع عندما كان برلمانيًا، قبل أن يعود اليوم لينسف الأسس التي بُني عليها النقاش آنذاك.
ردود الفعل لم تتأخر. فعدد من هيئات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الجمعية المغربية لحماية المال العام، اعتبرت أن الموقف الحكومي لا يعكس حرصًا على الحقوق بقدر ما يوحي برغبة في تحييد آليات المساءلة، بل وبتضييق غير مباشر على الأصوات التي تفضح اختلالات التدبير ونهب المال العام. وهو ما يفتح النقاش حول اتجاه سياسي عام، يُخشى أن يكون أقرب إلى “تدبير الصمت” بدل تجفيف منابع الفساد.
وعند مقارنة الوضع المغربي بتجارب دول أخرى، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، يتضح أن تجريم الإثراء غير المشروع لا يُعد استثناءً أو تهديدًا للحريات، بل أداة فعالة لمعاقبة من يحوّلون المناصب العمومية إلى وسيلة للإغتناء غير المشروع، وضمان حد أدنى من العدالة الاقتصادية.
ورغم ذلك، ما يزال مشروع القانون حبيس الرفوف، يتأجل مرة بعد أخرى، وسط تساؤلات برلمانية متزايدة حول أسباب هذا التأخير، وحول ما إذا كان الأمر يتعلق فعلًا بإشكالات تقنية، أم بغياب إرادة سياسية حقيقية لمواجهة الفساد في مستوياته العليا.
في المحصلة، يبدو المشهد وكأنه مسرحية سياسية سوداء: وزير يحذّر من قانون قد “يخيف الأغنياء”، بينما الفساد الذي يستنزف ثروات البلاد لا يجد نفس الحزم في مواجهته. وبين هذا وذاك، يظل السؤال معلقًا: هل ستُستعاد وظيفة القانون كأداة لحماية المال العام، أم سيظل الإثراء غير المشروع جريمة مؤجلة في انتظار ظرف سياسي أقل حرجًا؟
سؤال لم تعد تطرحه النخب وحدها، بل صار يتردد بقوة في الشارع، حيث يسبق وعي المواطنين أحيانًا قرارات المؤسسات.

ن عمر بالكوجا أكادير

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.