أزمة سبتة تفتح مواجهة سياسية وقضائية في إسبانيا وتشكيك حكومي في حياد القاضية والتحقيق يواصل البحث عن الحقيقة
عمر بالكوجا أكادير
دخل ملف العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة منعطفاً جديداً، بعدما انتقل الجدل من طبيعة الأحداث التي شهدتها المدينة نهاية يوليوز الماضي إلى صراع سياسي وقضائي داخل إسبانيا، عقب تصريحات صادرة عن وزير النقل والتنقل المستدام، أوسكار بوينتي، شكك فيها في حياد القاضية ماريا تاردون، المشرفة على التحقيق في القضية.
وتأتي هذه التطورات في سياق تحقيق فتحته المحكمة الوطنية الإسبانية، عقب وصول آلاف المهاجرين إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز، حيث طلبت القاضية في البداية تقارير أمنية لتحديد ما إذا كانت العملية مجرد تدفق جماعي للمهاجرين، أم أنها كانت نتيجة عمل منسق أو تدبير من طرف جهة منظمة.
وكان تقرير للشرطة الإسبانية قد أثار، خلال الأيام الماضية، جدلاً واسعاً بعدما تحدث عن مؤشرات على وجود تخطيط مسبق، وعن قيام عناصر من أجهزة الأمن المغربية، وفق صياغة التقرير، بتوجيه جزء من المهاجرين نحو نقاط العبور. غير أن هذه المعطيات لم تتحول إلى دليل قضائي نهائي يثبت
مسؤولية الدولة المغربية عن تنظيم العملية أو التخطيط لها. كما أن المدير العام للشرطة الإسبانية أكد أن أياً من التقارير التي اطلع عليها لا يحمل بشكل مباشر قوات الأمن المغربية مسؤولية التخطيط أو التنفيذ.
وفي تطور موازٍ، قدمت الحرس المدني الإسباني تقريراً إلى القاضية حول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية قد توصلت بتحذيرات مسبقة بشأن موجة العبور الجماعي، خلص، وفق المعطيات المنشورة، إلى أن التنبيهات التي سبقت الأحداث لم تكن تتوقع حجم التدفق الذي وقع فعلياً.
هذا المسار القضائي أثار بدوره توتراً داخل الحكومة الإسبانية، خصوصاً بعدما انتقد وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا قرار القاضية المتعلق بطريقة تداول المعلومات مع المسؤولين الأمنيين، قبل أن تدخل جهات قضائية للدفاع عن ضرورة احترام عمل القاضية وترك التحقيق يأخذ مجراه.
ومع اتساع النقاش، خرج أوسكار بوينتي بتصريحات اعتبر فيها أن بعض قرارات القاضية تثير لديه «عدم ثقة» في حيادها، وهو موقف سرعان ما فتح جبهة سياسية جديدة، بعدما اعتبرت قوى داخل الائتلاف الحكومي أن التشكيك في القاضية سابق لأوانه. كما دافعت حركة «سومار» عن مبدأ افتراض قانونية إجراءاتها، معتبرة أنه لا توجد في الوقت الراهن مؤشرات كافية للطعن في نزاهتها.
وفي أحدث تطورات الملف، قبلت المحكمة الوطنية الإسبانية مشاركة مدينة سبتة في القضية بصفتها طرفاً متضرراً، معتبرة أن الأحداث كان لها تأثير مباشر على المدينة وسكانها وحقوقهم وممتلكاتهم. وهو ما يؤشر على انتقال الملف من مجرد نقاش حول تدبير أزمة هجرة إلى مسار قضائي أكثر تعقيداً وحساسية.
وبينما تواصل المحكمة بحثها في ملابسات ما جرى، يبقى السؤال الأساسي المطروح في مدريد هو ما إذا كانت أحداث نهاية يوليوز مجرد موجة هجرة جماعية استغلت فيها شبكات التواصل الاجتماعي حالة التوتر، أم أن الأمر كان نتيجة عملية منظمة ذات أهداف تتجاوز الهجرة.
وفي المقابل، فإن إدخال اسم المغرب في هذا الملف يضفي عليه بعداً دبلوماسياً بالغ الحساسية، بالنظر إلى أهمية التعاون المغربي الإسباني في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الجريمة العابرة للحدود. لذلك، فإن أي استنتاج نهائي بشأن المسؤولية المغربية يظل رهيناً بما ستكشف عنه التحقيقات والأدلة القضائية، بعيداً عن التسريبات والتجاذبات السياسية.
وهكذا، تحولت أزمة سبتة إلى ملف متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه الهجرة مع الأمن والقضاء والسياسة والعلاقات المغربية الإسبانية، فيما تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستقدم رواية حاسمة لما حدث فعلاً.



































