بعد مرور أسابيع على انطلاق الدراسة خصاص مقررات «مدارس الريادة» يربك الأسر بسوس ماسة
لم يكن الدخول المدرسي الجاري بالنسبة إلى عدد من الأسر بجهة سوس ماسة مجرد عودة عادية إلى مقاعد الدراسة، إذ وجد آباء وأولياء تلاميذ مؤسسات «مدارس الريادة» أنفسهم أمام رحلة بحث متواصلة عن بعض المقررات والكراسات الخاصة بهذا المشروع، في وقت يفترض أن تكون فيه مختلف المستلزمات التعليمية متوفرة مع انطلاق الدراسة.
وبعد مرور أسابيع على بداية الموسم الدراسي، ما يزال النقص في عدد من الكتب والكراسات يثير استياء الأسر، خصوصا في بعض المستويات الابتدائية، حيث يتعلق الأمر بموارد مرتبطة أساسا بمواد اللغة العربية واللغة الفرنسية والرياضيات.
ومن بين الحالات التي تتكرر في حديث الأسر، صعوبة العثور على مقرر الرياضيات الخاص بالمستوى الرابع ابتدائي، إلى جانب بعض الكراسات والموارد الأخرى المرتبطة بمشروع «مدارس الريادة». ويضطر عدد من الآباء إلى التنقل بين مكتبات مختلفة بمدينة أكادير والمناطق المجاورة أملا في العثور على النسخ المطلوبة، بينما يجد آخرون أنفسهم أمام جواب واحد: «الكتاب غير متوفر حاليا».
ولا يبدو أن الإشكال يقتصر على الأسر وحدها، إذ يجد أصحاب المكتبات والمهنيون العاملون في بيع الكتب المدرسية أنفسهم بدورهم أمام صعوبة في تلبية الطلب المتزايد. وبحسب إفادة أحد أصحاب المكتبات بمدينة أكادير، فإن الطلب على مقررات الريادة مرتفع، في حين تصل بعض الحصص بكميات محدودة لا تكفي لتغطية حاجيات جميع المكتبات، الأمر الذي يجعل عملية التزويد وإعادة توفير المخزون أكثر تعقيدا.
وتزداد حدة الإشكال خارج المراكز الحضرية، خصوصا بالمناطق القروية والجماعات التابعة لجهة سوس ماسة، حيث تواجه بعض المكتبات ونقاط البيع المحلية صعوبات إضافية في الحصول على حصصها من المقررات في الوقت المناسب. وهو ما يجعل الأسرة في بعض الحالات مضطرة إلى البحث في مدينة أخرى عن كتاب يفترض أن يكون متاحا بالقرب من المؤسسة التعليمية التي يدرس بها أبناؤها.
وتكتسي هذه الوضعية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة مشروع «مدارس الريادة» نفسه، الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، ويقوم على اعتماد مقاربات تربوية تستهدف بالأساس تحسين التعلمات الأساسية، من بينها القراءة والكتابة والحساب، مع توفير موارد ودعم تربويين لفائدة المتعلمين. كما أن الوزارة شرعت منذ الموسم الدراسي 2024-2025 في توسيع النموذج تدريجيا على مستوى التعليم الابتدائي.
وبالتالي، فإن توفر الوسائل والموارد التعليمية المرتبطة بهذا النموذج لا يمثل تفصيلا ثانويا بالنسبة إلى الأسر، بل يدخل في صميم شروط تنزيل المشروع على أرض الواقع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواد يعتمد عليها التلميذ والأستاذ في تنظيم التعلمات اليومية.
بين وعود الإصلاح وإكراهات التزويد
المشكل المطروح حاليا لا يتعلق فقط بغياب كتاب من رفوف مكتبة، وإنما يطرح سؤالا أوسع حول آليات التخطيط والتنسيق بين مختلف المتدخلين في سلسلة توفير المقررات: من تحديد الحاجيات، مرورا بالطباعة والتوزيع، وصولا إلى إيصال الكتب إلى المكتبات ونقاط البيع في المدن والقرى في الوقت المناسب.
كما يطرح الوضع تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزية منظومة التزويد لمواكبة التوسع التدريجي في نموذج «مدارس الريادة»، خاصة وأن المشروع أصبح يشمل عددا متزايدا من المؤسسات والمتعلمين.
وتشير المعطيات الرسمية للوزارة إلى أن نموذج مؤسسات الريادة لا يقتصر على الجانب البيداغوجي، بل يشمل كذلك توفير الشروط المادية اللازمة داخل المؤسسات التعليمية.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الخصاص في بعض الموارد المدرسية، إن تأكد على نطاق واسع، يستحق توضيحا من الجهات التعليمية المعنية، ليس فقط لتحديد مكمن الخلل، وإنما أيضا لتوضيح الإجراءات المتخذة لمعالجة الوضع وضمان عدم تكراره.
الأسر تطالب بحل عملي لا بمزيد من الانتظار
في المقابل، يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام ضغط إضافي مع استمرار الموسم الدراسي. فالتلميذ مطالب بمتابعة الدروس وإنجاز الأنشطة، بينما الأسرة مطالبة بتوفير الكتب والكراسات التي لا تجدها أحيانا في السوق.
وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة للأسر التي لديها أكثر من طفل، أو التي تقطن بمناطق بعيدة عن المراكز الحضرية، إذ يتحول البحث عن كتاب مدرسي إلى وقت إضافي وتكاليف تنقل، فضلا عن القلق الناتج عن عدم توفر المستلزم الدراسي في الوقت المطلوب.
ويرى عدد من الآباء أن الحل لا ينبغي أن يقتصر على انتظار وصول شحنات جديدة إلى المكتبات، بل يتطلب تدخلا منظما يضمن معرفة الحاجيات الحقيقية لكل منطقة، وتسريع عملية التوزيع، مع إعطاء عناية خاصة للمناطق القروية التي قد تكون أكثر تأثرا بأي اختلال في منظومة التزويد.
أين تقف الأكاديمية الجهوية؟
وأمام هذه المعطيات، تتجه الأنظار بشكل طبيعي إلى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة سوس ماسة، باعتبارها إحدى المؤسسات الأساسية في تنزيل السياسات التعليمية جهويا، لمعرفة طبيعة الإجراءات المتخذة لمواكبة مؤسسات الريادة وضمان توفر الموارد المرتبطة بها.
والسؤال المطروح هنا ليس بالضرورة البحث عن مسؤول بعينه، وإنما معرفة ما إذا كانت هناك آلية جهوية لرصد الخصاص، وكيف يتم تجميع حاجيات المؤسسات والمناطق، وكيف تتم معالجة الحالات التي لا تصل فيها المقررات إلى المكتبات أو الأسر في الوقت المناسب.
كما أن توضيح هذه النقاط من شأنه أن يبدد حالة الغموض لدى الأسر والمهنيين، ويحدد بشكل دقيق الجهة المسؤولة عن كل مرحلة من مراحل توفير المقررات.
فنجاح «مدارس الريادة» لا يقاس فقط بجودة المناهج والمقاربات البيداغوجية، وإنما أيضا بمدى قدرة المنظومة على توفير الشروط العملية التي تمكن الأستاذ والتلميذ من تنزيل هذه المقاربات داخل الفصل.
وبينما تستمر الأسر في البحث عن بعض المقررات، يبقى الأمل معقودا على تدخل سريع من مختلف المتدخلين لتسوية الخصاص، حتى لا يتحول مشكل في التزويد إلى عائق يؤثر على انطلاقة التعلمات، وحتى يكون مبدأ تكافؤ الفرص واقعا ملموسا بالنسبة لجميع التلاميذ، سواء داخل المدن أو في العالم القروي بجهة سوس ماسة.


































