عودة تدريجية للمحامين إلى المحاكم والرميد ونقباء سابقون في مقدمة مستأنفي العمل وقرار الجمعية ما يزال قائما
شهدت عدد من محاكم المملكة، صباح الثلاثاء فاتح شتنبر 2026، عودة محامين إلى ممارسة مهامهم المهنية بعد أسابيع من التوقف، في تطور جديد يعكس بداية بروز تباين داخل الجسم المهني بشأن تدبير المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الخلاف حول القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة.
وكانت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء من أبرز الواجهات التي ظهر فيها هذا المستجد، بعدما استأنف عدد من المحامين مهامهم، من بينهم النقيبان السابقان محمد الشهبي وعبد الله درميش، إلى جانب أعضاء من مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء، فضلا عن وزير العدل والحريات الأسبق والمحامي مصطفى الرميد.
وتأتي هذه الخطوة مباشرة بعد انتهاء العطلة القضائية، وفي سياق كانت فيه أصوات مهنية قد أعلنت، منذ نهاية غشت، رفضها مواصلة التوقف عن العمل، معتبرة أن دخول القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ يفرض إعادة تقييم أسلوب تدبير الاحتجاج.
من التوقف الجماعي إلى عودة فردية
المشهد الجديد داخل المحاكم لا يعني، في المقابل، أن قرار التوقف المهني قد تم التراجع عنه بشكل جماعي، إذ ما تزال جمعية هيئات المحامين بالمغرب متمسكة بقرار مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية.
فمكتب الجمعية، عقب اجتماعه الاستثنائي المنعقد في 27 غشت، جدد رفضه للقانون الجديد، وأعلن مواصلة التحركات المؤسساتية والقانونية والاحتجاجية، مع تحديد 10 شتنبر المقبل موعدا لاجتماع جديد لتحديد برنامج المرحلة المقبلة وتنظيم ندوة صحفية لعرض موقف الجمعية أمام الرأي العام.
وبذلك، أصبحت الساحة المهنية أمام وضع غير مسبوق نسبيا: قرار جماعي معلن بمواصلة التوقف، يقابله اختيار عدد من المحامين العودة إلى الجلسات وممارسة مهام الدفاع بشكل عادي.
خلاف يتجاوز مجرد الإضراب
ويعود أصل الأزمة إلى الخلاف حول القانون الجديد لمهنة المحاماة، بعدما اعتبرت جمعية هيئات المحامين أن عددا من مقتضياته لا تستجيب، من وجهة نظرها، لمطالب المهنة المتعلقة باستقلالية المحاماة وحصانة الدفاع والتنظيم الذاتي.
وتعمق الخلاف أكثر عقب المسار الذي عرفته إحالة القانون على المحكمة الدستورية، قبل أن يدخل النص حيز التنفيذ عقب نشره في الجريدة الرسمية، وهو التطور الذي دفع جزءا من المحامين إلى اعتبار أن استمرار التوقف لم يعد الخيار الأنسب في هذه المرحلة.
في المقابل، تؤكد الجمعية أن دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني انتهاء المعركة، وأنها ستواصل الدفاع عن مواقفها عبر مختلف الوسائل المؤسساتية والقانونية التي تراها مشروعة.
مصلحة المتقاضين في قلب النقاش
ويأخذ الجدل بعدا آخر يتعلق بمصالح المتقاضين، خصوصا في القضايا التي تستدعي حضور الدفاع واستمرارية الإجراءات القضائية.
ومن هذا المنطلق، برزت داخل الجسم المهني أصوات تدعو إلى العودة إلى العمل، معتبرة أن استمرار تعطيل الخدمات المهنية قد تكون له انعكاسات على المواطنين والمتقاضين، في وقت تتواصل فيه الأزمة بين الهيئات المهنية والجهات الحكومية المعنية.
كما أن استمرار التوقف، بحسب المواقف التي صدرت عن بعض المحامين، يطرح إشكالية العلاقة بين القرار المهني الجماعي وحرية كل محام في تحديد موقفه من مواصلة العمل أو التوقف عنه.
هل بدأت مرحلة جديدة؟
عودة عدد من المحامين إلى المحاكم في فاتح شتنبر تفتح الباب أمام أكثر من احتمال.
فقد تكون الخطوة مجرد مبادرات فردية من محامين قرروا استئناف مهامهم، وقد تتحول في الأيام المقبلة إلى موجة أوسع من العودة، خصوصا إذا اتسعت دائرة الأصوات المطالبة بوضع حد للتوقف.
وفي المقابل، لا تزال جمعية هيئات المحامين بالمغرب متمسكة بموقفها، ما يجعل اجتماع 10 شتنبر محطة مهمة لتحديد اتجاه الأزمة وما إذا كانت ستتجه نحو مزيد من التصعيد أم نحو البحث عن مخرج جديد للحوار.
وهكذا، يبدو أن معركة المحامين دخلت مرحلة مختلفة: لم يعد السؤال فقط حول القانون الجديد، وإنما أصبح مطروحا أيضا حول مدى استمرار وحدة الموقف المهني وقدرة الهيئات على الحفاظ على قرار جماعي موحد.
وبين محامين عادوا إلى قاعات الجلسات، وهيئات مهنية ما تزال تدعو إلى مواصلة التوقف، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت عودة فاتح شتنبر ستظل محدودة، أم ستشكل بداية فعلية لعودة تدريجية للعمل وإنهاء واحدة من أطول محطات التوتر التي عرفتها العلاقة بين المحامين والجهات المشرفة على قطاع العدالة.



































