مقاطعة 23 عضوا تعطل دورة استثنائية بالدشيرة الجهادية والمجلس الجماعي أمام اختبار الانسجام السياسي
دخل مجلس جماعة الدشيرة الجهادية مرحلة سياسية جديدة، بعدما فشلت أشغال الدورة الاستثنائية المقررة اليوم في الانعقاد بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، إثر غياب 23 عضوا من أصل 35 عضوا يشكلون مجموع تركيبة المجلس.
ولم يتمكن سوى 12 عضوا من الحضور إلى قاعة الاجتماع، بحضور ممثل السلطة المحلية، وهو عدد لم يكن كافيا لانطلاق أشغال الدورة، ليتم تسجيل عدم توفر النصاب وتأجيل الاجتماع إلى موعد لاحق، طبقا للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.
وتطرح هذه الواقعة أكثر من علامة استفهام حول الوضع السياسي داخل المجلس الجماعي، خاصة أن حجم الغياب لم يكن محدودا أو عرضيا، بل شمل غالبية الأعضاء، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الخلافات القائمة بين مكونات المجلس، ومدى تأثيرها على السير العادي للمؤسسة المنتخبة.
مقاطعة تتجاوز منطق المعارضة
اللافت في هذه التطورات أن المقاطعة، وفق المعطيات المتداولة، لا تبدو مقتصرة على أعضاء المعارضة، وإنما شملت أيضا أعضاء ينتمون إلى الأغلبية المسيرة، الأمر الذي يضفي على الأزمة طابعا داخليا ويجعلها أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة تقليدية بين الأغلبية والمعارضة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن مشاركة أعضاء من الأغلبية في مقاطعة دورة رسمية قد تكون مؤشرا على وجود تباينات داخل مكونات المجلس، سواء بشأن طريقة تدبير بعض الملفات أو آليات اتخاذ القرار أو مستوى التشاور بين مختلف الفرقاء.
في المقابل، لا تزال الأسباب الدقيقة التي دفعت كل عضو إلى مقاطعة الدورة غير معلنة بشكل رسمي، وبالتالي فإن ما يتم تداوله بشأن خلفيات الخطوة يبقى في إطار المعطيات والمواقف المنسوبة إلى بعض الأعضاء، ولا يمكن اعتباره موقفا جماعيا نهائيا قبل صدور توضيحات رسمية من المعنيين بالأمر.
خلافات حول التدبير وترتيب الأولويات؟
وتتحدث أوساط محلية عن وجود حالة من التوتر داخل المجلس، مرتبطة، بحسب ما يتم تداوله، بطريقة تدبير بعض الملفات، ومستوى التشاور بشأن القرارات، فضلا عن ملاحظات وتحفظات حول ترتيب الأولويات التنموية التي يفترض أن تحظى باهتمام المجلس.
وتبقى هذه النقاط بحاجة إلى توضيحات من مختلف الأطراف، خصوصا أن الدورة الاستثنائية لم تنعقد أصلا لمناقشة جدول أعمالها، ما يجعل من الصعب الجزم بأن المقاطعة كانت مرتبطة حصرا بملف أو نقطة محددة.
كما أن غياب 23 عضوا في جلسة واحدة لا يعني بالضرورة، من الناحية السياسية، انهيار الأغلبية بشكل نهائي، لكنه في الوقت نفسه يشكل مؤشرا قويا على وجود صعوبات في ضمان الحضور والانسجام داخل المجلس، وهو ما قد يتحول إلى إشكال أكبر إذا تكرر خلال الدورات المقبلة.
هل دخل المجلس مرحلة “البلوكاج”؟
فشل انعقاد الدورة الاستثنائية أعاد إلى النقاش المحلي مصطلح “البلوكاج”، باعتبار أن استمرار غياب الأعضاء وعدم القدرة على توفير النصاب يمكن أن يؤثرا على وتيرة اشتغال المجلس وعلى قدرته على التداول في عدد من الملفات التي تحتاج إلى انعقاد دوراته واتخاذ مقررات بشأنها.
غير أن وصف الوضع بالبلوكاج يبقى، في هذه المرحلة، قراءة سياسية أكثر منه توصيفا نهائيا للوضع المؤسساتي، خصوصا أن المجلس لا يزال بإمكانه تجاوز الأزمة عبر الحوار والتوافق وإعادة ترتيب العلاقة بين مختلف مكوناته.
فالاختبار الحقيقي سيكون خلال المرحلة المقبلة، وتحديدا عند انعقاد الدورة التي ستتم الدعوة إليها بعد تعذر عقد الاجتماع الحالي. حينها سيكون الحضور ونسبة المشاركة وطبيعة المواقف التي ستتخذها مختلف الفرقاء مؤشرات أساسية على مدى عمق الخلافات داخل المجلس.
الأغلبية أمام امتحان صعب
وتجد الأغلبية المسيرة نفسها أمام تحد حقيقي يتمثل في إعادة بناء الانسجام الداخلي وضمان مشاركة أعضائها في أشغال المجلس، خصوصا إذا ثبت أن جزءا من المقاطعين ينتمي إلى مكوناتها.
كما أن المرحلة المقبلة قد تفرض فتح قنوات للحوار مع مختلف الأطراف، ليس فقط لضمان النصاب القانوني، وإنما أيضا لتوفير الحد الأدنى من التوافق السياسي الذي يسمح باستمرار عمل المجلس بعيدا عن منطق تعطيل المؤسسات المنتخبة.
وفي المقابل، فإن المعارضة، في حال استمرار هذا الوضع، ستكون أمام مسؤولية توضيح مواقفها وأسباب مقاطعتها، حتى لا تتحول الخلافات السياسية إلى عائق أمام مناقشة الملفات التي ترتبط مباشرة بالمصالح اليومية للساكنة.
الساكنة تترقب مآل الأزمة
وبعيدا عن الحسابات السياسية، يبقى الرهان الأساسي بالنسبة لساكنة الدشيرة الجهادية هو ضمان استمرار عمل المجلس وانكبابه على الملفات التنموية والخدماتية التي تنتظرها المدينة.
فأي خلاف سياسي داخل مؤسسة منتخبة يبقى مشروعا في إطار الممارسة الديمقراطية، لكن الإشكال يبدأ عندما تنعكس الخلافات على قدرة المؤسسة على الاجتماع والتداول واتخاذ القرارات التي تدخل ضمن اختصاصاتها.
وعليه، فإن الأنظار تتجه الآن إلى الموعد المقبل، لمعرفة ما إذا كانت الاتصالات السياسية ستنجح في احتواء الخلافات وإعادة جمع مكونات المجلس حول طاولة واحدة، أم أن مقاطعة الدورة الاستثنائية ستكون بداية لمسار أطول من التجاذب السياسي داخل جماعة الدشيرة الجهادية.
وفي انتظار اتضاح الصورة، فإن غياب 23 عضوا من أصل 35 يمثل، سياسيا، رسالة قوية لا يمكن تجاهلها، ويضع الأغلبية المسيرة أمام امتحان حقيقي لإثبات قدرتها على الحفاظ على تماسك المجلس وضمان استمرارية عمله.
ويبقى السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه في المرحلة المقبلة: هل يتعلق الأمر بخلاف عابر سيتم احتواؤه بالحوار، أم أن مجلس جماعة الدشيرة الجهادية مقبل فعلا على مرحلة جديدة من الصراع السياسي قد تؤثر على طريقة تدبير شؤون المدينة؟



































