بين وعود الحكومة وواقع الجفاف هل تكفي المشاريع الكبرى لضمان أمن المغرب المائي والغذائي؟
في سياق يتسم بتصاعد التحديات المناخية، عاد ملف الماء والأمن الغذائي إلى واجهة النقاش العمومي، بعد العرض الذي قدّمه رئيس الحكومة عزيز أخنوش أمام البرلمان، والذي استعرض فيه ملامح الاستراتيجية الحكومية لمواجهة الجفاف. عرضٌ حمل أرقامًا طموحة ومشاريع كبرى، لكنه في المقابل يواجه اختبارات صعبة على أرض الواقع.
الحكومة تراهن على حلول هيكلية، من خلال توسيع محطات تحلية مياه البحر، وتسريع وتيرة بناء السدود، وتعزيز الربط بين الأحواض المائية، إلى جانب دعم القطاع الفلاحي بمليارات الدراهم. ومن بين الأهداف المعلنة، بلوغ قدرة إنتاج تصل إلى 1.7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في أفق 2030، ورفع الاستثمارات العمومية في قطاع الماء إلى مستويات غير مسبوقة.
غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تصطدم بتقارير دولية تشير إلى أن الأزمة أعمق من مجرد نقص في البنيات التحتية. فحسب البنك الدولي، يعيش المغرب وضع “إجهاد مائي مرتفع”، مع ضغط متزايد على الموارد المتاحة، ما يجعل الإشكال بنيويًا مرتبطًا بتوازن العرض والطلب، وليس ظرفيًا فقط.
وفي السياق ذاته، تنبّه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى هشاشة الأمن الغذائي في المنطقة، بسبب ارتباط الإنتاج الزراعي بالتساقطات المطرية، واستمرار الاعتماد على الاستيراد لتلبية الطلب الداخلي. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة السياسات الحالية على تحقيق السيادة الغذائية في ظل تقلبات الأسواق الدولية.
على الصعيد الوطني، قدّم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قراءة نقدية لسياسات تدبير الماء، مشيرًا إلى اختلالات في الحكامة وتفاوتات في توزيع الموارد، فضلًا عن استمرار استنزاف الفرشات المائية بسبب أنماط فلاحية كثيفة الاستهلاك للمياه. وهي ملاحظات تعكس أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بندرة الموارد، بل أيضًا بطريقة تدبيرها.
بدورها، تؤكد المندوبية السامية للتخطيط أن القطاع الفلاحي يظل الحلقة الأضعف في مواجهة التقلبات المناخية، حيث تؤثر سنوات الجفاف بشكل مباشر على الإنتاج والدخل وفرص الشغل، خاصة في العالم القروي، ما يعمّق الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ولا يمكن فصل هذه التحديات عن التحولات المناخية العالمية، إذ تشير تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن منطقة شمال إفريقيا مرشحة لمزيد من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يعني أن الضغط على الموارد المائية والغذائية مرشح للتفاقم خلال العقود المقبلة.
ورغم ضخامة الأرقام التي قدمتها الحكومة، بما في ذلك رفع ميزانية البرنامج الوطني للماء إلى 143 مليار درهم، وبرامج دعم فلاحي تصل إلى 20 مليار درهم، يبقى السؤال الجوهري: هل تكفي هذه الاستثمارات لوحدها؟
عدد من الخبراء يرون أن الحل يتطلب تحولا أعمق، يشمل مراجعة النموذج الفلاحي نحو زراعات أقل استهلاكًا للماء، وتعزيز النجاعة في استعمال الموارد، وتحسين حكامة القطاع، إلى جانب إشراك المواطن في تغيير سلوكيات الاستهلاك.
في النهاية، يبدو أن المغرب يقف أمام معادلة معقدة: مشاريع طموحة من جهة، وضغوط مناخية وبنيوية متزايدة من جهة أخرى. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي هو القدرة على تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، تضمن الأمن المائي والغذائي للأجيال القادمة، بعيدًا عن منطق تدبير الأزمات الظرفية.




































