حين تدخل المجالس المنتخبة على خط الانتخابات أين الشفافية وأين تكافؤ الفرص؟
مع دخول الحملة الانتخابية مراحلها الحاسمة، يبدو أن كل طرف يشتغل وفق حساباته، وكل مرشح يحاول استثمار حضوره وشبكة علاقاته وإمكاناته من أجل كسب أكبر قدر ممكن من الأصوات.
لكن وسط هذا الحراك الانتخابي، تبرز مسألة تستحق النقاش بجدية: أين تنتهي مسؤولية المنتخب في تدبير الشأن العام، وأين تبدأ مسؤوليته كفاعل حزبي أو مرشح انتخابي؟
فالمجالس المنتخبة ليست ملكاً لحزب أو مرشح، وإنما مؤسسات يفترض أن تظل في خدمة جميع المواطنين، وأن تحافظ على الحياد والشفافية، خصوصاً خلال فترة الانتخابات.
وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة نفسها: أين تكافؤ الفرص بين المرشحين؟ أين الشفافية؟ ومن يراقب حدود استعمال الإمكانات المرتبطة بالمؤسسات المنتخبة؟ وهل يتم الفصل فعلاً بين الصفة الانتدابية والانتماء الحزبي؟
المسألة لا تتعلق بمنع المنتخب من ممارسة حقه السياسي أو الحزبي، فهذا حق مكفول، وإنما تتعلق بالتمييز الواضح بين العمل المؤسساتي والعمل الانتخابي. فالمنصب الانتدابي مسؤولية تجاه جميع المواطنين، وليس ورقة انتخابية توضع فوق طاولة الحملة.
والأخطر، إن ثبت في أي حالة، هو أن تتحول الإمكانات أو الوسائل أو المرافق المرتبطة بالمؤسسة إلى أدوات تخدم مرشحاً دون آخر. فهنا لا يعود النقاش متعلقاً بالتنافس السياسي الطبيعي، وإنما يصبح سؤالاً حول احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص والحياد المؤسساتي.
وفي المقابل، من الضروري أيضاً عدم إطلاق الأحكام أو اتهام أي جهة باستغلال النفوذ دون أدلة واضحة، لأن الانتخابات تحتاج إلى المنافسة، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى احترام القانون والمؤسسات.
ومن بين الأسئلة التي تستحق النقاش كذلك: هل من الأفضل مستقبلاً تنظيم الاستحقاقات الانتخابية في موعد موحد، أو على الأقل إعادة النظر في طريقة توزيع مواعيدها، بما يقلل من تداخل المسؤوليات ويحد من إمكانية استغلال المواقع الانتدابية في الصراعات الانتخابية؟
فالمواطن اليوم لا يريد فقط أن يسمع عن النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، بل يريد أن يراها على أرض الواقع.
يريد انتخابات يكون فيها المرشح مرشحاً، والمنتخب منتخباً، ورئيس المجلس مسؤولاً عن مؤسسة، والحملة الانتخابية ساحة للتنافس بين البرامج والأفكار، لا مجالاً لخلط الصفة المؤسساتية بالحسابات الحزبية.
وفي نهاية المطاف، تبقى القاعدة بسيطة: المؤسسات للجميع، والانتخابات للجميع، والفرص يجب أن تكون متكافئة أمام الجميع. أما من يستعمل موقعه أو الإمكانات العمومية لخدمة الحملة، فالقانون هو الفيصل، والمراقبة هي الضمانة، والمواطن هو من يراقب الجميع.


































