سلمى الياسين
احتضنت مدينة فاس، يوم الاثنين 12 أكتوبر، حفل تدشين متحف الثقافة اليهودية المغربية، في خطوة تروم صون أحد المكونات الأصيلة للتراث الوطني وتثمين رصيده التاريخي والثقافي والروحي، بما يعكس غنى الهوية المغربية وتعدد روافدها الحضارية.
ويأتي إحداث هذا الصرح الثقافي الجديد، الواقع بحي الملاح التاريخي، ليمنح الذاكرة اليهودية المغربية فضاءً مخصصا للتوثيق والعرض، يتيح للزوار اكتشاف فصول من تاريخ الوجود اليهودي بالمملكة وامتداداته عبر قرون، إلى جانب مظاهر التفاعل بين مختلف مكونات المجتمع المغربي.
يضم المتحف، المشيد على مساحة إجمالية تفوق 1700 متر مربع، مجموعة متنوعة من القطع التراثية والدينية والأثرية والفنية، فضلا عن وثائق وأرشيفات وكتب ومخطوطات نادرة، تستحضر جوانب متعددة من الحياة اليومية والروحية والاجتماعية والاقتصادية لليهود المغاربة.
كما يتيح مساره المتحفي، الممتد على مستويين، التعرف على التقاليد الأسرية والمناسبات الدينية والموسيقى والحرف والصناعات التقليدية، من خلال معروضات وشواهد مادية توثق استمرارية هذا الموروث وانتقاله بين الأجيال. ويقدم خط زمني تاريخي لمحة عن أكثر من 2500 سنة من الحضور اليهودي بالمغرب، مستحضرا محطات بارزة من تاريخ هذه المكونة الثقافية.
وعلى المستوى المعماري، يستلهم المتحف عناصر من الصناعة التقليدية المغربية، من قبيل الزليج والجبس المنقوش والخشب الملون، في انسجام مع الطابع التاريخي والعمراني لمدينة فاس، التي يشكل حي الملاح أحد أبرز فضاءاتها الحاملة لذاكرة التعدد الثقافي والديني بالمملكة.
يكتسي اختيار هذا الموقع أهمية خاصة بالنظر إلى القيمة التاريخية لحي الملاح، الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1438، باعتباره من أقدم الأحياء اليهودية المنظمة بالمغرب، ما يجعل المتحف امتدادا للمجال الذي تشكلت داخله جوانب من الحياة الثقافية والاجتماعية لليهود المغاربة.
وتتجاوز أهمية هذا المشروع البعد المتحفي، لتشمل تعزيز الوعي بالتراث المشترك وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتعايش، عبر تقديم الذاكرة اليهودية باعتبارها جزءا من التاريخ الوطني ومكونًا من مكونات الهوية المغربية المتعددة الروافد.
بالتوازي مع تدشين المتحف، أُعلن عن إطلاق أشغال ترميم قصر البطحاء وتحويله إلى متحف للفنون الإسلامية، في مبادرة تعزز الدينامية المتحفية بمدينة فاس، وتدعم جهود تثمين الموروث الحضاري بمختلف تجلياته.
ويشكل افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية إضافة نوعية للمشهد الثقافي الوطني، وفرصة لإعادة اكتشاف جانب من الذاكرة المغربية وصونها، بما يتيح للأجيال الحالية والقادمة الاطلاع على تاريخ غني بالتنوع والتفاعل الحضاري، ويعزز مكانة التراث باعتباره ركيزة أساسية لفهم الحاضر وبناء المستقبل.




































