الجهوية المتقدمة في سوس ماسة أمام اختبار السياسة والمسؤولية
حين تتقدم الخلافات السياسية على أجندة التنمية
لم تكن دورة أكتوبر لمجلس جهة سوس ماسة، التي كان مقررا عقدها بمدينة تارودانت يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، مجرد محطة عادية في جدول اجتماعات المؤسسة الجهوية. فقد تعذر انعقادها بسبب عدم اكتمال النصاب
القانوني، بعدما سجلت الجلسة غياب عدد كبير من أعضاء المجلس، وهو ما حال دون مناقشة جدول أعمال كان يتضمن 19 نقطة، من بينها ملفات مرتبطة بالمشاريع والاتفاقيات والميزانية وبرامج العمل الجهوي.
المشهد، بصرف النظر عن خلفياته السياسية، يفتح نقاشا أوسع من مسألة الحضور والغياب، ويتعلق بصورة المؤسسة الجهوية وقدرتها على القيام بالأدوار التي أناطها بها ورش الجهوية المتقدمة.
فالجهة، وفقا للمعطيات الرسمية، ليست مجرد إطار إداري أو فضاء لتدبير الخلافات بين المنتخبين، وإنما مؤسسة تتمتع باختصاصات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقروية والثقافة والبيئة والنقل وغيرها، كما تتولى إعداد وتتبع تنفيذ برنامج التنمية الجهوية.
ومن هنا تبرز أهمية ما حدث في دورة أكتوبر: إلى أي حد يمكن أن تبقى الخلافات السياسية محصورة داخل المؤسسات دون أن تؤثر على السير العادي للمرفق الجهوي؟
خلاف سياسي أم أزمة في تدبير الأغلبية؟
تعددت الروايات حول خلفيات عدم حضور عدد من أعضاء المجلس. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن خلافات بين مكونات الأغلبية بشأن طريقة إعداد جدول الأعمال، فيما أشارت مصادر أخرى إلى اعتراض بعض الفرق على عدم
إشراكها بالشكل الكافي في إعداد عدد من النقاط. وفي المقابل، لم يصدر ما يكفي من المعطيات الرسمية التي تسمح باختزال جميع حالات الغياب في سبب سياسي واحد.
وهنا ينبغي التمييز بين حق المنتخب في الاختلاف والاعتراض، وهو حق أساسي داخل المؤسسات المنتخبة، وبين النتائج المؤسساتية التي يمكن أن تترتب عن عدم حضور عدد كاف من الأعضاء.
فالاختلاف السياسي لا يشكل في حد ذاته مشكلة؛ بل إن النقاش والاعتراض والتصويت والرفض كلها أدوات طبيعية للعمل الديمقراطي. لكن السؤال الذي يهم المواطن هو: ماذا يحدث عندما ينتقل الخلاف من قاعة النقاش إلى تعطيل انعقاد المؤسسة؟
المواطن خارج حسابات التحالفات
بالنسبة للمواطن في أكادير أو تارودانت أو تزنيت أو طاطا أو باقي أقاليم الجهة، فإن تفاصيل الخلافات بين الأحزاب لا تمثل الأولوية الأولى.
ما يهمه هو الطريق التي تنتظر الإصلاح، والماء الذي يحتاجه العالم القروي، وفرص الشغل، والاستثمار، والنقل، والصحة، والتعليم، والرياضة، ودعم المناطق الهشة، وتنفيذ المشاريع التي صادق عليها المجلس
وهذه ليست ملفات هامشية بالنسبة لجهة سوس ماسة؛ فالاختصاصات الرسمية للجهة تشمل مجالات واسعة من التنمية الاقتصادية ودعم المقاولات وجذب الاستثمار والتنمية القروية والنقل والبيئة والتكوين، إضافة إلى اختصاصات مشتركة مع الدولة في مجالات اجتماعية واقتصادية وبيئية وثقافية ورياضية.
كما أن الجهة تتوفر على وكالة جهوية لتنفيذ المشاريع، تتمثل إحدى مهامها الأساسية في تنفيذ المشاريع وبرامج التنمية التي يقرها مجلس الجهة. وبالتالي، فإن قدرة المجلس على التداول واتخاذ القرارات تظل مرتبطة عمليا بقدرته على ضمان استمرارية العمل المؤسساتي.
السياسة تتغير.. والمشاريع تبقى
سوس ماسة تدخل مرحلة سياسية جديدة بعد الاستحقاقات التشريعية الأخيرة، وما رافقها من إعادة ترتيب للتحالفات والتوازنات الحزبية على المستوى الوطني والمحلي.
ومن الطبيعي أن تنعكس التحولات السياسية على المؤسسات المنتخبة، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح مستقبل البرامج التنموية مرتبطا بشكل مباشر بمستقبل التحالفات السياسية.
فالتحالفات يمكن أن تتغير، والأغلبية يمكن أن يعاد تشكيلها، والأحزاب يمكن أن تنتقل من موقع إلى آخر، لكن المشاريع العمومية لا ينبغي أن تتغير وتيرتها بالسرعة نفسها التي تتغير بها الخريطة السياسية.
وهنا تحديدا تظهر قيمة المؤسسات: أن تستمر في أداء وظائفها رغم اختلاف مكوناتها.
المطلوب ليس إلغاء الخلاف بل تنظيمه
ليس المطلوب من المنتخبين أن يتفقوا دائما، ولا أن يتخلوا عن مواقفهم السياسية أو الحزبية.
المطلوب هو أن يجد الخلاف طريقه الطبيعي داخل المؤسسة: نقاشا، وتعديلا، واقتراحا، وتصويتا، ومساءلة، ثم تحمل المسؤولية السياسية أمام المواطنين.
أما حين يصبح النصاب نفسه جزءا من أدوات الصراع السياسي، فإن النقاش ينتقل من مضمون القرارات إلى قدرة المؤسسة على الانعقاد أصلا.
وهذا ما يجعل دورة أكتوبر مناسبة لطرح سؤال مؤسساتي يتجاوز هذه الدورة بعينها:
هل تحتاج الأغلبية داخل مجلس جهة سوس ماسة إلى إعادة ترتيب قواعد العمل المشترك، بما يضمن اختلاف مكوناتها دون أن يتحول الخلاف إلى عائق أمام استمرار المؤسسة؟
الجهوية المتقدمة ليست مجرد مجالس منتخبة
الجهوية المتقدمة في جوهرها ليست فقط نقل اختصاصات إلى الجهات أو انتخاب مجالس جهوية، وإنما بناء قدرة حقيقية على اتخاذ القرار الترابي وتنفيذ البرامج وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وعندما أعلنت الدولة عن مبدأ التدبير الحر للجهات، تم إسناد أدوار مهمة للمجالس الجهوية في التنمية وإعداد التراب والاستثمار والاقتصاد الاجتماعي والبيئة وغيرها.
لذلك فإن نجاح التجربة في سوس ماسة لا يقاس فقط بعدد المشاريع المبرمجة أو حجم الاعتمادات المرصودة، وإنما أيضا بمدى قدرة المؤسسة المنتخبة على إدارة الاختلافات السياسية والحفاظ على استمرارية العمل.
الكرة الآن في ملعب جميع المكونات
بعد تعذر انعقاد دورة أكتوبر، يبقى الرهان الأساسي هو تجاوز أسباب التعثر وفق المساطر القانونية، وتهيئة الظروف التي تسمح للمجلس بمناقشة جدول أعماله واتخاذ القرارات المرتبطة بالملفات المعروضة عليه.
وهذا ليس مسؤولية فريق سياسي واحد فقط، بل مسؤولية جماعية تشمل الأغلبية والمعارضة وكل عضو اختاره المواطنون لتمثيلهم داخل هذه المؤسسة.
فالمواطن لا يراقب فقط من حضر ومن غاب، بل يراقب أيضا ما إذا كانت المؤسسة قادرة على تحويل البرامج إلى مشاريع، والاعتمادات إلى نتائج، والاختلاف السياسي إلى نقاش مؤسساتي منتج.
وفي النهاية، قد تختلف الأحزاب حول المواقع والتحالفات وطريقة تدبير المجلس، لكن هناك مساحة يفترض أن يتقاطع فيها الجميع: مصلحة جهة سوس ماسة واستمرارية مؤسساتها وقدرتها على الاستجابة لانتظارات سكانها.
ويبقى السؤال مفتوحا أمام المنتخبين: هل ستتحول أزمة دورة أكتوبر إلى فرصة لإعادة بناء قواعد التوافق والعمل المؤسساتي، أم ستستمر الخلافات السياسية في التأثير على إيقاع المؤسسة الجهوية؟




































