التقدم والاشتراكية يعيد تقديم وصفة السكن بالأرقام من وعود «مدن بدون صفيح» إلى سؤال الحصيلة

Imou Media2 سبتمبر 2026
التقدم والاشتراكية يعيد تقديم وصفة السكن بالأرقام من وعود «مدن بدون صفيح» إلى سؤال الحصيلة

التقدم والاشتراكية يعيد تقديم وصفة السكن بالأرقام من وعود «مدن بدون صفيح» إلى سؤال الحصيلة

وعود السكن عند «الكتاب».. أرقام جديدة وذاكرة قديمة تفتح سؤال الحصيلة
عاد حزب التقدم والاشتراكية إلى واجهة النقاش الانتخابي من بوابة برنامجه الجديد، حاملا معه حزمة من الالتزامات المرتبطة بالسكن والتعمير وسياسة المدينة، وفي مقدمتها تقليص العجز السكني، وتوجيه السكن المدعم، وتحسين الولوج إلى السكن اللائق، إلى جانب وعود مرتبطة بمحاربة السكن غير اللائق وتعزيز العدالة المجالية.

البرنامج الذي قدمه الحزب في سياق الاستعداد للاستحقاقات التشريعية المقبلة، يقدم أرقاما وأهدافا تمتد إلى أفق السنوات المقبلة، من بينها تقليص العجز في الوحدات السكنية من حوالي 350 ألف وحدة إلى أقل من 200 ألف، فضلا عن السعي إلى إدماج جزء من المساكن الشاغرة واللائقة في سوق الكراء أو البيع، وتوجيه الإنتاج السكني المدعم نحو وحدات تتراوح مساحتها بين 60 و100 متر مربع.

لكن الأرقام الجديدة تفتح، في المقابل، بابا قديما: ماذا عن حصيلة التدبير السابق؟ وهل تكفي البرامج الانتخابية الجديدة لإقناع المواطن بأن الإشكالات التي ظلت قائمة لعقود يمكن تجاوزها هذه المرة بمجرد إعادة صياغة الأهداف ورفع سقف الالتزامات؟

من الوعود إلى اختبار الذاكرة الحكومية
يصعب فصل النقاش حول رؤية حزب التقدم والاشتراكية للسكن عن التجربة الحكومية التي قادها أحد أبرز قيادييه، محمد نبيل بنعبد الله، الذي تولى حقيبة السكنى والتعمير وسياسة المدينة ابتداء من سنة 2012، قبل أن يستمر في حكومة 2017 في حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وتؤكد وثائق رسمية أن بنعبد الله كان وزيرا للسكنى والتعمير وسياسة المدينة خلال تلك المرحلة.

وخلال تلك الفترة، لم تكن قضايا السكن غير اللائق، ومدن الصفيح، وتأهيل المدن، والبنايات الآيلة للسقوط، وتحسين العرض السكني، ملفات مستجدة، بل كانت في صلب السياسات العمومية والنقاش الحكومي.

بل إن الوزارة نفسها قدمت، منذ 2012، مخططات وأهدافا تتعلق بتحسين قطاع السكنى والتعمير وتعزيز سياسة المدينة، كما جرى التأكيد آنذاك على ضرورة مواجهة التحولات الحضرية المتسارعة والاستجابة لحاجيات الأسر من فضاءات عيش كريمة.

ومن هنا تبرز المفارقة التي تفرض نفسها اليوم: عندما يقدم الحزب وعودا جديدة بإنهاء مظاهر السكن غير اللائق وتقليص العجز السكني، فإن من حق الرأي العام أن يسأل أيضا عن الدروس المستخلصة من التجربة السابقة، وعن أسباب استمرار جزء من الإشكالات التي كانت مطروحة خلال فترة تدبير الحزب للقطاع.

«مدن بدون صفيح».. وعد قديم يعود في ثوب جديد
برنامج «مدن بدون صفيح» ليس اكتشافا انتخابيا جديدا، بل ورش عمومي يعود إلى سنوات طويلة، وظل من الملفات الكبرى المرتبطة بسياسة السكن ومحاربة السكن غير اللائق.

ولهذا فإن تجدد التعهد بإنهاء هذا الورش يطرح سؤالا بسيطا لكنه جوهري: ما الذي تغير هذه المرة؟ وهل يتعلق الأمر بإعادة ترتيب الأولويات والوسائل فقط، أم أن هناك آليات تنفيذية وتمويلية وحكامة مختلفة قادرة فعلا على إغلاق هذا الملف؟

فالمواطن لا يقيس نجاح سياسة السكن بعدد الصفحات في البرنامج الانتخابي، ولا بحجم الأرقام الواردة فيه، وإنما بما يراه على الأرض: أحياء مؤهلة، سكن لائق، أسعار في المتناول، وثائق عمرانية واضحة، وبنايات آمنة، وفضاءات حضرية تحفظ كرامة السكان.

33 مليار درهم.. الرقم يحتاج إلى جواب عن التمويل والتنفيذ
ويطرح الغلاف المالي المعلن، والمقدر بـ33 مليار درهم ضمن التصور الذي يقدمه الحزب، سؤالا آخر يتعلق بمصادر التمويل وآليات التنزيل والجدولة الزمنية.

فالرقم، مهما كان كبيرا، لا يتحول تلقائيا إلى مساكن أو أحياء جديدة. وبين الإعلان السياسي والإنجاز الميداني توجد مساطر قانونية، وعقار، وتمويل، وشراكات مع الجماعات والقطاع الخاص، وقدرة على التتبع والتقييم.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الاختبار بالنسبة لأي برنامج انتخابي: ليس فقط ماذا سيُنجز، وإنما كيف ومتى وبأي موارد، ومن سيتحمل مسؤولية التأخر إذا لم تتحقق الأهداف المعلنة؟

من «سياسة المدينة» إلى واقع المدن
سبق لنبيل بنعبد الله، خلال توليه القطاع، أن جعل «سياسة المدينة» إحدى القضايا المركزية في النقاش العمومي، مع التأكيد على ضرورة تحقيق الاندماج المجالي والانسجام الاجتماعي وتحسين ظروف العيش داخل المدن.

غير أن الواقع الحضري المغربي ظل، بعد سنوات من البرامج المتعاقبة، يعاني اختلالات متعددة، من السكن غير اللائق إلى البنايات الآيلة للسقوط، ومن ضغط التوسع العمراني إلى صعوبة توفير العقار المناسب للفئات محدودة ومتوسطة الدخل.

وهذا لا يعني أن كل هذه الاختلالات يمكن تحميلها لحزب واحد أو وزير واحد، فهي نتاج تراكم سياسات عمومية وتدخلات متعددة ومتداخلة. لكن الحزب، بحكم مشاركته في تدبير القطاع، لا يستطيع أيضا أن يقدم نفسه اليوم وكأنه يكتشف هذه الإشكالات للمرة الأولى.

محطة «الحسيمة منارة المتوسط».. حين اصطدم الخطاب بالتنفيذ
وتبقى سنة 2017 إحدى أكثر المحطات حساسية في المسار السياسي لنبيل بنعبد الله وحزبه.

فقد صدر قرار بإعفائه من مهامه الوزارية في أكتوبر 2017، في سياق تداعيات ملف برنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، بعد تقييم للاختلالات والتأخر في تنفيذ عدد من المشاريع. وكان ذلك ضمن قرارات شملت مسؤولين آخرين، في أعقاب التعليمات الملكية المتعلقة بترتيب المسؤوليات بشأن تعثر تنفيذ المشاريع المبرمجة.

والأدق سياسيا ألا يتم اختزال هذه الواقعة في كونها «إعفاء بسبب فشل قطاع السكنى»، لأن ملف «الحسيمة منارة المتوسط» كان برنامجا متعدد القطاعات والمتدخلين. لكن الواقعة تظل محطة مهمة عند تقييم العلاقة بين الالتزامات المعلنة والقدرة المؤسساتية على التنفيذ وتحمل المسؤولية السياسية.

وهي بالضبط النقطة التي تجعل البرنامج الانتخابي الحالي مطالبا بأكثر من الشعارات: المواطن يريد معرفة كيف ستتحول الأهداف إلى نتائج، وكيف ستتم محاسبة المسؤولين عن عدم الوفاء بها.

المواطن أمام سؤال بسيط: ماذا تغير؟
يقدم حزب التقدم والاشتراكية نفسه اليوم باعتباره حاملا لـ«بديل ديمقراطي تقدمي»، ويؤكد ضمن برنامجه على قياس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين، وعدم الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات.

وهذه النقطة تحديدا تجعل برنامجه في مجال السكن أمام اختبار مزدوج: اختبار الوعود الجديدة، واختبار الذاكرة السياسية.

فإذا كان الحزب ينتقد الاكتفاء بالأرقام، فإن الرأي العام بدوره يستطيع أن يطبق المعيار نفسه على برنامجه: كم وحدة سكنية ستنجز فعليا؟ كم أسرة ستغادر السكن غير اللائق؟ كيف ستنخفض كلفة الولوج إلى العقار؟ وما الجدول الزمني لإنهاء الملفات المتراكمة؟

في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن يقدم حزب سياسي وعودا طموحة؛ فهذا جزء طبيعي من المنافسة الانتخابية. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرقام إلى بديل عن الحصيلة، أو عندما يتم تقديم الملفات القديمة كما لو أنها اكتُشفت اليوم.

وبين برنامج انتخابي يعد بتقليص العجز السكني وإنهاء «مدن بدون صفيح»، وتجربة حكومية سابقة شارك فيها الحزب في تدبير القطاع، يبقى الحكم الحقيقي مؤجلا إلى ما بعد مرحلة الشعارات: ففي السكن كما في غيره، المواطن لا يسكن في البرامج الانتخابية، بل في ما تنجزه السياسات على أرض الواقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.