الأغنام المدعومة تعود إلى الواجهة.. رفض لجنة التقصي يحيي الجدل حول مصير مليارات الدعم
عاد ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام والماشية إلى واجهة النقاش السياسي والبرلماني، بعد إعلان الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار رفضه الانضمام إلى مبادرة تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن أوجه صرف الدعم والنتائج التي حققها على مستوى السوق الوطنية.
ويأتي هذا الموقف في وقت ما تزال فيه تساؤلات واسعة مطروحة بشأن مدى فعالية الإجراءات الحكومية التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة لمواجهة تداعيات الجفاف وتراجع القطيع الوطني، خاصة بعد تخصيص اعتمادات مالية مهمة وتقديم تسهيلات ضريبية وجمركية لفائدة مستوردي الأغنام والماشية.
وبرر الفريق النيابي للأغلبية موقفه باعتبارات مرتبطة بضيق الزمن التشريعي المتبقي من الولاية الحالية، معتبراً أن شروط إنجاز مهمة تقصي الحقائق بالنجاعة المطلوبة قد لا تكون متوفرة في هذه المرحلة. غير أن هذا التبرير لم ينجح في تهدئة الجدل السياسي والإعلامي المصاحب للملف، بل أعاد طرح أسئلة قديمة حول حصيلة الدعم العمومي وأثره الفعلي على الأسعار.
وتؤكد معطيات متداولة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية أن الهدف الأساسي من فتح باب الاستيراد ومنح الدعم كان يتمثل في ضمان وفرة العرض بالأسواق الوطنية والتخفيف من حدة الارتفاعات المتتالية في أسعار اللحوم الحمراء والأغنام، خصوصاً خلال المناسبات الدينية والمواسم التي تعرف ارتفاعاً في الطلب.
غير أن الواقع الذي عاشه المستهلك المغربي خلال السنوات الأخيرة أظهر استمرار مستويات الأسعار في منحى تصاعدي، الأمر الذي دفع العديد من الفاعلين السياسيين والهيئات المدنية إلى المطالبة بكشف معطيات دقيقة حول المستفيدين من الدعم وحجم الكميات المستوردة والانعكاسات الحقيقية لهذه السياسة على القدرة الشرائية للمواطنين.
ويعتبر المطالبون بلجنة تقصي الحقائق أن القضية تتجاوز مجرد نقاش سياسي بين الأغلبية والمعارضة، لتلامس جوهر الحكامة في تدبير المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالأمر يتعلق، حسب وجهة نظرهم، ببرنامج استثنائي استهلك موارد مالية مهمة وكان من المفترض أن يحقق أثراً مباشراً على السوق والأسعار.
كما يرى متابعون للشأن العام أن الشفافية في مثل هذه الملفات تمثل عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات، خاصة عندما يتعلق الأمر ببرامج حكومية تم تمويلها من المال العام وتستهدف مواد استهلاكية ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للأسر المغربية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة في مناسبات مختلفة أن إجراءات دعم الاستيراد ساهمت في ضمان تزويد الأسواق الوطنية بالماشية واللحوم خلال فترات صعبة اتسمت بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار على المستوى الدولي، معتبرة أن تقييم هذه السياسة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظرفية الاقتصادية والمناخية التي تم اعتمادها خلالها.
ومع استمرار الجدل، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة داخل الرأي العام: هل حققت مليارات الدراهم التي خُصصت لدعم استيراد الأغنام والماشية الأهداف المرجوة منها، أم أن الحاجة أصبحت ملحة لتقديم حصيلة مفصلة تضع المواطنين أمام صورة واضحة لما تحقق فعلاً من نتائج؟
وإلى حين حسم هذا النقاش داخل المؤسسات الدستورية، سيظل ملف دعم استيراد الأغنام أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالمال العام والقدرة الشرائية وانتظارات المواطنين في مجال الشفافية والمساءلة.


































