حين تدخل كأس إفريقيا في الصراع السياسي أخنوش يواجه لقجع من بوابة نهائي مونديال 2030
تحول النقاش حول استضافة نهائي كأس العالم 2030 إلى سجال سياسي ورياضي مفتوح، بعدما وجد رئيس الحكومة عزيز أخنوش نفسه في مواجهة مباشرة مع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، على خلفية التصريحات المتعلقة بإمكانية إقامة المباراة النهائية بالمغرب.
المثير في هذا السجال أن النقاش لم يبق محصورا في السؤال الرياضي والتقني المرتبط بملعب النهائي، وإنما اتسع ليشمل حصيلة كرة القدم المغربية، والوعود السابقة بالتتويج، بل ووصل إلى استحضار كأس أمم إفريقيا 2025، في وقت يفترض فيه أن يكون النقاش منصبا على كيفية تعزيز الحضور المغربي والترافع من أجل استضافة أكبر مباراة في مونديال 2030.
فوزي لقجع كان قد أعلن أن نهائي كأس العالم 2030 سيقام في ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، وهو الملعب الذي تبلغ طاقته الاستيعابية المرتقبة نحو 115 ألف متفرج، غير أن الاتحاد الدولي لكرة القدم أكد أن القرار النهائي بشأن مكان إقامة المباراة لم يحسم بعد، وأنه سيتم اتخاذه في الوقت المناسب.
ومن هنا جاءت مواقف أخنوش التي شددت، بحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية، على أن المغرب ليس الطرف الوحيد الذي يقرر في هذا الملف، باعتبار أن تنظيم مونديال 2030 يتم بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، وأن الحسم في المباراة النهائية يبقى من اختصاص الجهات المخولة داخل FIFA.
من الناحية المؤسساتية، تبدو هذه الملاحظة منطقية؛ فلا الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تملك وحدها قرار تحديد ملعب النهائي، ولا الحكومة المغربية تستطيع اتخاذ القرار بشكل منفرد. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا التوضيح المؤسساتي إلى سجال سياسي، ويجري الانتقال من مناقشة الطموح المغربي إلى فتح دفاتر النتائج والوعود السابقة.
كأس إفريقيا.. من خسارة على أرض الملعب إلى تتويج بقرار إداري
أكثر ما أثار الانتباه في هذا السجال هو استحضار كأس إفريقيا 2025 وكأنها ورقة في مواجهة لقجع.
والوقائع هنا تحتاج إلى شيء من التدقيق. فالنهائي الذي جمع المغرب بالسنغال انتهى فوق أرضية الملعب بفوز المنتخب السنغالي بهدف دون مقابل بعد الأشواط الإضافية. لكن لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم عادت، في 17 مارس 2026، وقررت اعتبار المنتخب السنغالي منهزما في المباراة وتسجيل النتيجة رسميا بثلاثة أهداف دون مقابل لصالح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تطبيقا للمادة 84 من لوائح كأس أمم إفريقيا.
وبالتالي، فإن القول إن المغرب لم يفز بكأس إفريقيا لم يعد منسجما مع الوضع الرسمي الحالي للمسابقة؛ فالمغرب أصبح، بقرار لجنة الاستئناف في «الكاف»، بطلا لإفريقيا 2025.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان اللقب قد أصبح رسميا في خزينة المنتخب الوطني، فما الذي يراد بالضبط من إعادة استحضار كأس إفريقيا في مواجهة لقجع؟
هل يتعلق الأمر بتقييم رياضي موضوعي لمسار المنتخب؟ أم أن الكأس تحولت إلى أداة في سجال سياسي بين شخصيتين تجمعهما كرة القدم من جهة، والمنافسة السياسية من جهة أخرى؟
من مونديال قطر إلى معركة 2030
لا يمكن أيضا اختزال مسار كرة القدم المغربية في لقب قاري أو في نتيجة مباراة واحدة.
فالمنتخب الوطني صنع في مونديال قطر 2022 إنجازا تاريخيا عندما بلغ نصف النهائي، ليصبح أول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى هذا الدور في تاريخ كأس العالم. ذلك الإنجاز لم يكن مجرد نتيجة عابرة، بل ساهم في رفع صورة كرة القدم المغربية دوليا وفتح الباب أمام طموحات أكبر، من بينها استضافة أكبر الأحداث الكروية العالمية.
ولهذا، فإن اختزال تقييم التجربة في سؤال: «هل فاز المنتخب بكأس إفريقيا؟ وهل كرر إنجاز قطر؟» يبقى، في نظر منتقدي هذا الطرح، اختزالا لمسار رياضي ومؤسساتي أكثر تعقيدا.
فالمنتخب لا يقاس بالكؤوس فقط، كما أن العمل الرياضي لا يختزل في مباراة أو بطولة، وإنما يقاس أيضا بتطور البنيات التحتية، وتكوين اللاعبين، والحضور الدولي، ونتائج المنتخبات الوطنية، وقدرة المغرب على تنظيم أكبر المنافسات.
والمفارقة أن الحكومة نفسها سبق أن أكدت أن المغرب معبأ لإنجاح تنظيم كأس إفريقيا 2025 ومونديال 2030، وأنها تتابع مشاريع الملاعب والبنيات الرياضية، بما فيها ملعب الحسن الثاني ببنسليمان.
هل أصبح نهائي المونديال ورقة انتخابية؟
السؤال السياسي الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يملك قرار اختيار ملعب نهائي 2030؟
السؤال الأعمق هو: هل ينبغي أن يتحول هذا الملف إلى مادة للمزايدة السياسية الداخلية؟
إذا كان القرار النهائي بيد FIFA، وإذا كان المغرب وإسبانيا والبرتغال شركاء في تنظيم البطولة، فإن المصلحة المغربية تقتضي، قبل كل شيء، توحيد الخطاب الوطني والترافع المشترك من أجل أفضل موقع ممكن للمغرب في هذا الحدث العالمي.
فمن حق لقجع أن يطمح إلى إقامة النهائي في المغرب، ومن حق الحكومة أن تؤكد أن القرار لم يحسم بعد. لكن الفرق كبير بين تصحيح معلومة أو توضيح صلاحيات المؤسسات، وبين تحويل الطموح نفسه إلى موضوع للسجال السياسي.
الأمر يصبح أكثر حساسية عندما يدخل إلى النقاش ملف كأس إفريقيا، والنتائج السابقة، والوعود الرياضية، لأن ذلك قد يعطي انطباعا بأن الخلاف لم يعد حول مكان إقامة نهائي كأس العالم، وإنما أصبح جزءا من صراع سياسي أوسع.
المغرب يحتاج إلى خطاب واحد لا إلى جبهة داخلية
المعركة الحقيقية ليست بين أخنوش ولقجع، وليست بين الحكومة والجامعة، وإنما هي حول صورة المغرب وموقعه في أكبر تظاهرة كروية عالمية.
فالمنافسة على النهائي قائمة فعلا، وإسبانيا لديها بدورها طموح واضح لاستضافة المباراة، فيما تؤكد FIFA حتى الآن أن القرار لم يحسم. كما أن ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، الذي تراهن عليه المملكة، ما يزال في طور الإنجاز، في حين تطرح إسبانيا ملاعبها الكبرى ضمن خياراتها.
ومن هذه الزاوية، فإن أي خلاف مغربي داخلي حول الملف قد يتحول، ولو من دون قصد، إلى مادة يستفيد منها المنافسون خارج المغرب، خصوصا أن السجال خرج بالفعل إلى الإعلام الدولي وأصبح جزءا من المنافسة حول استضافة النهائي.
لذلك، فإن انتقاد لقجع أو محاسبته سياسيا حق مشروع، كما أن مساءلة الحكومة عن حصيلتها حق لا خلاف عليه، لكن كرة القدم والمنتخب الوطني وملف مونديال 2030 تظل قضايا تتجاوز الحسابات الانتخابية الظرفية.
وفي نهاية المطاف، قد يكون السؤال الأهم: هل نريد أن نختلف حول من قال ماذا، أم نريد أن نتفق حول كيف يستطيع المغرب أن يحصل على النهائي؟
لأن طموح المغرب في استضافة المباراة النهائية لا ينبغي أن يتحول إلى «وعد شخصي» لهذا المسؤول أو ذاك، بل إلى هدف وطني مشروع يستحق الترافع عنه، مع احترام قواعد FIFA وشركاء التنظيم، وانتظار القرار الرسمي للجهة المخولة بالحسم.
أما تحويل كأس إفريقيا إلى «عصا» في سجال سياسي داخلي، فقد يجعل من كرة القدم، التي يفترض أن تكون إحدى أدوات القوة الناعمة للمغرب، ساحة أخرى لتصفية الحسابات السياسية.


































