سلمى الياسين
لم تعد مجموعات “الألتراس” في المغرب مجرد جماعات تُؤثث مدرجات الملاعب بالأهازيج والأعلام والدخلات البصرية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية تستحق القراءة والتحليل. فبينما ارتبط ظهور الألتراس في بداياته بثقافة التشجيع الرياضي والانتماء الكروي، أصبح اليوم فاعلًا حاضرًا داخل الفضاء الرياضي والاجتماعي، يعبّر عن مواقف، وينتج خطابات، ويؤثر في فئات واسعة من الشباب المغربي.
شهدت الملاعب المغربية منذ مطلع الألفية الثالثة بروز مجموعات ألتراس منظمة، خاصة مع الأندية الكبرى، حيث لم يعد التشجيع مقتصرًا على الحضور العفوي، بل أصبح يعتمد على تنظيم داخلي دقيق يقوم على الانضباط، توزيع الأدوار، والالتزام الجماعي.وقد ساهم هذا التحول في تغيير صورة المدرجات المغربية، التي صارت فضاءً للإبداع البصري من خلال “التيفوهات” والأغاني الجماهيرية ذات الحمولة الرمزية القوية.
غير أن اختزال الألتراس في مجرد التشجيع الرياضي يظل قراءة ناقصة لظاهرة أكثر تعقيدًا. فالألتراس في المغرب تجاوزت حدود التشجيع لتصبح إطارًا يمنح فئة واسعة من الشباب الإحساس بالانتماء والهوية الجماعية، خصوصًا في ظل شعور بعضهم بالتهميش أو ضعف فضاءات الإدماج الاجتماعي. فداخل المجموعة يجد الشاب اعترافًا رمزيًا، ومساحة للتعبير، وشعورًا بالانخراط في مشروع جماعي يتجاوز حدود المباراة.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين في علم الاجتماع الرياضي أن الألتراس تمثل شكلًا من أشكال التنشئة الاجتماعية البديلة، حيث تساهم في ترسيخ قيم التضامن والانضباط والعمل الجماعي. فتنظيم التنقلات، إعداد “التيفوهات”، تمويل الأنشطة، والتنسيق بين الأعضاء، كلها ممارسات تُكسب المنخرطين مهارات تنظيمية وتواصلية تجعل من الألتراس أكثر من مجرد مجموعة مشجعين.
كما تحولت الأغاني الجماهيرية في بعض الأحيان إلى وسيلة للتعبير عن قضايا اجتماعية أوسع، إذ لم تعد تقتصر على دعم الفريق، بل صارت تحمل رسائل مرتبطة بالهوية، والواقع الاجتماعي، وطموحات الشباب. وهو ما جعل المدرجات فضاءً رمزيًا يُعاد فيه إنتاج الخطاب الاجتماعي بطرق مختلفة، تتجاوز المنطق الرياضي الصرف.
ورغم هذه الأدوار، تظل ظاهرة الألتراس محاطة بعدد من الإشكالات، أبرزها ارتباطها أحيانًا بأحداث الشغب والعنف الرياضي، وهو ما يطرح سؤالًا حول كيفية تدبير العلاقة بين المؤسسات الرياضية وهذه المجموعات الجماهيرية. فالمقاربة الأمنية وحدها قد لا تكون كافية لفهم الظاهرة أو احتوائها، بقدر ما يبدو ضروريًا اعتماد مقاربة تشاركية تعترف بالألتراس كفاعل موجود داخل المنظومة الرياضية، مع تأطير ممارساته وضمان استثمار طاقته الجماهيرية بشكل إيجابي.
إن الألتراس المغربية اليوم لم تعد مجرد جمهور يصفق لفريقه من المدرجات، بل أصبحت مكوّنًا من مكونات الثقافة الرياضية الوطنية، وفاعلًا يعكس تحولات المجتمع المغربي وتطلعات شبابه. وبين التشجيع، والانتماء، والتعبير الجماعي، تظل هذه الظاهرة مفتوحة على أسئلة متعددة حول دور الرياضة في تشكيل الوعي الاجتماعي وإنتاج أشكال جديدة من المشاركة داخل الفضاء العام.



































