حكومة أخنوش تتحدث عن نجاحات التعليم بالأرقام لكن واقع المدرسة العمومية يطرح أسئلة أكبر من الحصيلة المعلنة
يواصل ملف التعليم تصدر النقاش العمومي بالمغرب، باعتباره أحد أكثر القطاعات ارتباطاً بمستقبل الأجيال وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة، بقيادة عزيز أخنوش، تحقيق مجموعة من المؤشرات الإيجابية في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026،
تتواصل أصوات منتقدة تعتبر أن الواقع الميداني لا يعكس بالكامل الصورة التي يتم تقديمها في الخطاب الرسمي.
وخلال جلسات المساءلة الشهرية بمجلس النواب، قدم رئيس الحكومة حصيلة ما وصفه بالإصلاحات الكبرى التي عرفها القطاع، مستشهداً بتوسيع تجربة مدارس الريادة، وتحسين نسب التمدرس، وتقليص الهدر المدرسي، فضلاً عن تعزيز البنية التحتية التعليمية وتطوير برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للأسر.
غير أن هذه المعطيات لم تمنع من بروز تساؤلات قوية داخل الأوساط
السياسية والتربوية حول مدى انعكاس هذه الإصلاحات على جودة التعلمات وظروف التمدرس، خاصة في العالم القروي والمناطق النائية التي لا تزال تعاني من خصاص في البنيات الأساسية ووسائل النقل المدرسي والإيواء.
ويرى عدد من المتتبعين أن الأزمة التعليمية في المغرب ليست وليدة السنوات الأخيرة فقط، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لعقود، تعاقبت خلالها
استراتيجيات ومخططات إصلاحية متعددة استنزفت ميزانيات ضخمة دون أن تحقق التحول المنشود بشكل كامل. فمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى البرنامج الاستعجالي ثم الرؤية الاستراتيجية وخارطة الطريق الحالية، ظل السؤال نفسه مطروحاً حول مدى قدرة هذه المشاريع على إحداث تغيير حقيقي ومستدام.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الإصلاح الجاري يختلف عن سابقاته، معتبرة أن النتائج تحتاج إلى وقت كافٍ للظهور، وأن المؤشرات الأولية المسجلة تعكس تقدماً ملموساً في عدد من المجالات المرتبطة بتحسين التعلمات والحد من الانقطاع الدراسي.
لكن المعارضة وعدداً من الفاعلين التربويين يعتقدون أن التحديات لا تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بالاكتظاظ داخل الأقسام، ونقص الموارد البشرية، والتفاوتات المجالية، إضافة إلى استمرار شكاوى الأسر من كلفة التعليم وتراجع الثقة في المدرسة العمومية.
وتتجاوز انتقادات الأداء الحكومي قطاع التعليم وحده، لتشمل قطاعات اجتماعية أخرى كالصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، حيث يرى منتقدو الحكومة أن الوعود الانتخابية التي رفعت سقف انتظارات المواطنين لم تتحقق بالشكل الذي كان مأمولاً، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي خضم هذا الجدل، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء مدرسة عمومية قادرة على ضمان تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، وتوفير تعليم ذي جودة يستجيب لتطلعات الأسر المغربية ويؤهل الأجيال المقبلة لمواجهة تحديات المستقبل.
فالتعليم ليس مجرد أرقام وإحصائيات تُعرض في التقارير الرسمية، كما أنه ليس مجالاً للمزايدات السياسية فقط، بل هو مشروع وطني استراتيجي يقاس أثره الحقيقي بما يلمسه التلميذ والأستاذ والأسرة داخل الفصول الدراسية وفي الحياة اليومية.
ويبقى نجاح أي إصلاح تعليمي رهيناً بالقدرة على تشخيص الاختلالات بجرأة، والاعتراف بمواطن الضعف، والانفتاح على مختلف الفاعلين، بعيداً عن منطق التبرير أو التهويل، بما يضمن استعادة الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها ركيزة أساسية لبناء مغرب المستقبل.



































