فاطمة بيكيش: الفن التشكيلي ليس مجرد لوحة بل مساحة لبناء الوعي وترسيخ الذوق الجمالي لدى الناشئة
محمد بوسعيد
تواصل الفنانة التشكيلية فاطمة بيكيش حضورها في المشهد التشكيلي المغربي، مستندة إلى تجربة فنية تشكلت تدريجيًا من شغف قديم بالرسم، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى مسار إبداعي جعلها تحضر في عدد من المعارض الفنية داخل المغرب، مع طموح للانفتاح مستقبلًا على تجارب ومعارض دولية.
وتجد بيكيش نفسها، على المستوى الفني، أكثر ميلاً إلى الفن التجريدي، باعتباره مجالًا رحبًا يمنح الفنان حرية أكبر في التعبير، ويفتح أمامه إمكانيات متعددة لتوظيف اللون والرمز والإيحاء، بدل الاكتفاء بنقل الواقع كما هو.
وفي حديثها عن تجربتها، توضح الفنانة أن الفن التشخيصي، رغم اختلافه عن التجريد، يظل مرحلة مهمة في تكوين الفنان، لما يتيحه من اكتساب للمهارات التقنية والقدرة على الملاحظة والتعامل مع التفاصيل، قبل الانتقال إلى آفاق أكثر تحررًا في التعبير التشكيلي.
الفن شغف تحول إلى أسلوب حياة
بالنسبة إلى فاطمة بيكيش، لا يتعلق الأمر بممارسة فنية عابرة، بل بعلاقة متجذرة مع اللوحة والألوان. فهي تعتبر نفسها من الأشخاص الذين “يتنفسون الفن التشكيلي”، بعدما بدأ الرسم بالنسبة إليها هواية، قبل أن يأخذ مكانة خاصة في حياتها اليومية.
وترى أن إنجاز اللوحة لا يبدأ عند الإمساك بالفرشاة، وإنما يسبقه إعداد ذهني وبحث عن الفكرة واختيار الموضوع الذي يستحق الاشتغال عليه. لذلك تحرص على استثمار أوقات فراغها، خصوصًا بعد الانتهاء من التزاماتها الشخصية والعائلية، في ممارسة الرسم، وهي اللحظات التي تجد فيها مساحة للراحة والتأمل والتعبير.
الأمازيغية والعربية.. منابع للإلهام
وتشكل الثقافة والتراث، بمكوناتهما الأمازيغية والعربية، مصدرًا أساسيًا للإلهام في أعمال الفنانة بيكيش، التي تسعى إلى إعادة تقديم هذه العناصر من خلال رؤيتها الخاصة، بعيدًا عن النقل المباشر.
فالفنان، في نظرها، لا يكتفي باستحضار الموضوع، وإنما يعيد تشكيله وفق إحساسه وتجربته وأسلوبه. وفي الفن التجريدي تحديدًا، يصبح اللون والرمز والإيحاء أدوات أساسية لتمرير الأفكار والرسائل.
وتؤكد أن قراءة اللوحة التجريدية ليست بالضرورة واحدة بالنسبة إلى جميع المتلقين، إذ يمكن لكل مشاهد أن يستخلص منها إحساسًا أو معنى مختلفًا، بينما يظل الفنان وحده الأكثر معرفة بالدلالات التي انطلق منها أثناء إنجاز العمل.
جمهور مغربي يتفاعل مع الفن التشكيلي
وبخصوص علاقة الجمهور المغربي بالفن التشكيلي، تشير بيكيش إلى أن تجربتها في عدد من المعارض الوطنية أظهرت وجود اهتمام وتفاعل لافتين من طرف الزوار.
وتستحضر في هذا السياق مشاركاتها في معارض احتضنتها مدن أكادير وآيت ملول والرباط ومراكش والصويرة، حيث وقفت على تفاعل الزوار مع الأعمال المعروضة وإعجابهم بالتجارب الفنية المشاركة.
وترى أن هذا الإقبال يؤكد أن الفن التشكيلي يجد طريقه تدريجيًا إلى الجمهور المغربي، خصوصًا مع تنامي حضور الشباب والنساء في هذا المجال، سواء كفنانين أو كمهتمين ومتابعين.
وتتطلع الفنانة، في المرحلة المقبلة، إلى توسيع دائرة حضورها والمشاركة في معارض خارج المغرب، بما يسمح لها بالاحتكاك بتجارب فنية مختلفة والتعريف بتجربتها وببعض عناصر الثقافة المغربية في فضاءات فنية دولية.
بين الإبداع ومتطلبات العيش
ولا تخفي فاطمة بيكيش صعوبة الاعتماد على الفن التشكيلي كمصدر وحيد للدخل، معتبرة أن إنتاج لوحة فنية متقنة يحتاج إلى الوقت والتركيز والصبر، وهو ما يجعل الفنان أمام تحديات مرتبطة بالوقت والجودة والقدرة على إنتاج أعمال تستجيب للمعايير الفنية المطلوبة.
وتؤكد أن الاستعجال في إنتاج عدد كبير من اللوحات من أجل تسويقها قد يؤثر أحيانًا على جودة العمل، لأن اللوحة الجيدة تحتاج إلى وقت كافٍ حتى تنضج فكرتها وتكتمل تفاصيلها.
ومع ذلك، ترى أن الفن التشكيلي المغربي شهد خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، سواء من حيث تنوع التجارب أو اتساع دائرة المهتمين به، مشيرة إلى الحضور المتزايد للشباب والنساء داخل الساحة التشكيلية.
دعوة إلى الأسر: الفن تربية قبل أن يكون هواية
وفي ختام حديثها، توجه الفنانة فاطمة بيكيش رسالة إلى الآباء والأمهات، تدعوهم فيها إلى تشجيع أبنائهم على اكتشاف الفن التشكيلي، وعدم التعامل معه باعتباره مجرد هواية ثانوية، بل كأحد المجالات التي يمكن أن تسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية قدراته على الملاحظة والتخيل والتعبير.
وترى أن تعويد الناشئة على الفن والجمال منذ الصغر يمكن أن يساهم في تكوين جيل أكثر انفتاحًا ووعيًا، يمتلك رصيدًا فكريًا وثقافيًا وجماليًا متوازنًا، إلى جانب ترسيخ الذوق الفني والقدرة على تقدير الإبداع.
وهكذا تختزل تجربة فاطمة بيكيش علاقتها بالفن في أكثر من مجرد ممارسة للرسم؛ فهي تعتبر اللوحة فضاءً للتعبير عن الذات والهوية والذاكرة، وفي الوقت نفسه وسيلة للمساهمة في نشر الثقافة الفنية وتشجيع الأجيال الجديدة على الاقتراب من عالم الإبداع، باعتباره أحد المكونات الأساسية لبناء الإنسان والمجتمع.



































