طرق الموت في المغرب حين تتحول السلامة الطرقية إلى سؤال مساءلة
في بلد يسجل كل أسبوع حصيلة ثقيلة من ضحايا حوادث السير، لم يعد النقاش حول السلامة الطرقية ترفًا إعلاميًا، بل أضحى ضرورة مجتمعية ملحّة. فالأرقام الأخيرة التي تتحدث عن عشرات القتلى وآلاف الجرحى داخل المدار الحضري فقط، تكشف حجم المأساة التي تتكرر بشكل شبه يومي، وتطرح بإلحاح سؤال النجاعة: أين الخلل؟
رغم تعدد الحملات التحسيسية والبرامج الرسمية، لا يزال الواقع يعكس محدودية الأثر. فالسلوكيات الخطيرة مثل السرعة المفرطة، وعدم احترام قانون السير، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، ما تزال في صدارة أسباب
الحوادث، دون أن تنجح الجهود المبذولة في تغييرها بشكل ملموس. وهذا ما يدفع إلى إعادة تقييم المقاربة المعتمدة من طرف الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، التي يفترض أن تكون الفاعل الرئيسي في هذا الورش.
وفي خضم هذا الجدل، يطفو اسم ناصر بولعجول على السطح، باعتباره المسؤول الأول عن تدبير هذا القطاع لسنوات. استمرار نفس القيادة، رغم تزايد المؤشرات السلبية، يثير تساؤلات حول مدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصًا في قطاع يمس بشكل مباشر حياة المواطنين.
ويرى متابعون أن الإشكال لا يرتبط فقط بسلوك مستعملي الطريق، بل أيضًا بغياب رؤية متكاملة تجمع بين الردع القانوني، والتربية الطرقية، وتحسين البنية التحتية. فالطرقات في عدد من المناطق تعاني من اختلالات واضحة، سواء من حيث الجودة أو التشوير، ما يفاقم من مخاطر الحوادث، خاصة في ظل ارتفاع عدد المركبات سنويًا.
كما أن التركيز الكبير على الحملات الإشهارية، رغم أهميتها، لا يبدو كافيًا لوحده. فالتجارب الدولية تُظهر أن تقليص حوادث السير يتطلب سياسات صارمة ومندمجة، تشمل المراقبة الذكية، وتحديث القوانين، وإدماج التربية الطرقية في المناهج الدراسية، إضافة إلى الاستثمار في نقل عمومي آمن وفعال.
في المقابل، يتزايد شعور لدى فئات واسعة من المواطنين بأن هذا الملف يدار دون تقييم حقيقي للنتائج، ودون محاسبة واضحة للمسؤولين عن الإخفاقات. وهو ما يضعف الثقة في المؤسسات، ويجعل من كل حصيلة أسبوعية مجرد رقم إضافي في مسلسل مستمر من الخسائر البشرية.
اليوم، لم يعد المطلوب مجرد تشخيص أو حملات ظرفية، بل قرارات جريئة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع حياة المواطن في صلب السياسات العمومية. لأن كل تأخير في الإصلاح يعني المزيد من الأرواح التي تُزهق على الطرقات، والمزيد من الأسر التي تدفع ثمن هذا النزيف الصامت.
فهل تتحول السلامة الطرقية إلى ورش حقيقي للمساءلة والإصلاح؟ أم أن الأرقام ستظل وحدها من تتحدث، دون أن تجد من يوقف هذا المسار




































