بقلم: أحمد الرحالي
تتكرر في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي مشاهد وصور لأعراس وطقوس احتفالية وأزياء ذات ملامح مغربية واضحة، قبل أن يعاد تقديمها في بعض المحتويات على أنها جزء من الثقافة الجزائرية. ولم يعد الأمر مجرد اختلاف عابر في وجهات النظر حول تفاصيل اللباس أو الموسيقى أو طقوس الاحتفال، بل أصبح يطرح سؤالًا أكبر حول حماية الهوية الثقافية المغربية، وحول مسؤولية المؤسسات الرسمية في صيانة الذاكرة الجماعية وتوثيق عناصر التراث الوطني والدفاع عنها عندما تتعرض لإعادة التسمية أو التقديم خارج سياقها الأصلي.
المشهد المتداول اليوم ليس مجرد صورة لعرس؛ إنه يعكس، بالنسبة إلى كثير من المغاربة، حالة أوسع من القلق بشأن الطريقة التي يتم بها التعامل مع بعض مظاهر الثقافة المغربية في الفضاء الرقمي الجزائري. فحين تظهر طقوس وملابس وزينة واحتفالات متجذرة في المجتمع المغربي، ثم تقدم للجمهور على أنها جزائرية، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: أين هي المؤسسات المغربية المعنية بالثقافة والتراث؟ وأين التوثيق الرسمي الذي يستطيع أن يضع كل عنصر في سياقه التاريخي والجغرافي الصحيح؟
لا يتعلق الأمر هنا بمنع أي شعب من الاحتفال أو ارتداء لباس معين، ولا برفض التقارب الثقافي والجغرافي بين شعوب المغرب الكبير. فالجزائر لها تراثها، ولها أعراسها وأزياؤها وتقاليدها التي تستحق التوثيق والحماية. لكن الاعتراف بحق الآخر في تراثه لا يعني القبول بإعادة تقديم عناصر مغربية أصيلة باعتبارها جزءًا من هوية وطنية أخرى. فإذا كان العنصر محل النقاش مغربي الأصل ومرتبطًا تاريخيًا بالمجتمع المغربي، فإن من حق المغرب أن يدافع عنه بالتوثيق والبحث والمؤسسات، لا أن يترك المسألة رهينة للتعليقات المتبادلة على مواقع التواصل الاجتماعي.
المشكلة الحقيقية أن العالم اليوم لا يتعرف إلى الثقافات من خلال الكتب التاريخية وحدها، وإنما من خلال الصورة والفيديو والمنصات الرقمية. وما يتكرر أمام ملايين المستخدمين يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى رواية ثقافية راسخة، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة التي لا تملك بالضرورة معرفة تفصيلية بتاريخ الأزياء والطقوس والعادات. ولهذا فإن ترك المحتوى الرقمي بلا توثيق أو حضور مغربي قوي قد يسمح بتكوين تصورات غير دقيقة حول أصل بعض العناصر الثقافية.
لقد أصبح التراث اليوم جزءًا من الدبلوماسية الثقافية للدول. ولم تعد حماية الهوية الثقافية مسألة رمزية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالبحث العلمي والأرشيف والتوثيق والتسجيل الدولي والتعريف بالثقافة الوطنية. والمغرب يملك رصيدًا ثقافيًا هائلًا من القفطان والتكشيطة إلى فنون الأعراس والموسيقى والحرف والطقوس المحلية، غير أن قيمة هذا الرصيد لا تكمن في غناه فقط، وإنما في القدرة على توثيقه وتقديمه للعالم بطريقة علمية ومنظمة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل ليس سؤالًا عن منشور واحد أو فيديو واحد، وإنما عن الاستراتيجية الوطنية لحماية التراث الثقافي غير المادي في العصر الرقمي. هل توجد فرق متخصصة ترصد المحتوى الرقمي الذي يعيد تقديم عناصر من التراث المغربي بهوية مختلفة؟ هل توجد قاعدة بيانات وطنية دقيقة للأزياء والاحتفالات والطقوس والحرف والموسيقى المغربية؟ وهل يتم إشراك الباحثين والمؤرخين والأنثروبولوجيين والحرفيين في توثيق هذه العناصر قبل أن تصبح موضع نزاع؟
المطلوب ليس أن تدخل الوزارة في سجال يومي مع مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا ليس دور الدولة. المطلوب هو بناء منظومة ثقافية تجعل المغرب قادرًا على تقديم وثائقه وأبحاثه وأرشيفه عندما يطرح أي نقاش حول أصل عنصر من عناصر تراثه. فالصورة القديمة، والشهادة الموثقة، والبحث الأكاديمي، ووثائق الأرشيف، وتاريخ الحرفة، وشهادات الحرفيين، كلها أقوى بكثير من عشرات الآلاف من التعليقات الغاضبة.
والأخطر من ذلك هو أن تتحول هذه المسائل تدريجيًا من نقاشات رقمية إلى مطالبات ثقافية على المستوى الدولي. وهنا يجب طرح السؤال بصراحة: هل تنتظر وزارة الثقافة المغربية إلى أن يتقدم مسؤولون أو مؤسسات جزائرية بملفات أمام اليونسكو تتضمن عناصر يعتبرها المغاربة جزءًا من تراثهم، ثم تبدأ الرباط في التحرك والرد؟ أم أن المنطق الصحيح يقتضي التحرك قبل ذلك، من خلال التوثيق والبحث والتعريف والدبلوماسية الثقافية؟
لقد أثبت المغرب أن العمل المؤسساتي في مجال التراث يمكن أن يحقق نتائج دولية مهمة، ومن أبرز الأمثلة إدراج القفطان المغربي: الفن والتقاليد والمهارات ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو سنة 2025. لكن حماية التراث لا ينبغي أن تتوقف عند عنصر واحد، بل يجب أن تمتد إلى مختلف مظاهر الثقافة المغربية التي تشكلت عبر قرون من التاريخ.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن التراث المغربي لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب عدائي ضد الجزائريين كأفراد. ليس كل جزائري مسؤولًا عن محتوى منشور على الإنترنت، كما أن النقد يجب أن يوجه إلى خطاب أو ممارسة أو محاولة لإعادة نسب عنصر ثقافي، وليس إلى شعب بأكمله. فالقضية في جوهرها ثقافية وتاريخية، وأي دفاع جدي عنها يجب أن يستند إلى الأدلة لا إلى التعميم.
المغرب لا يحتاج إلى حرب إلكترونية للدفاع عن ثقافته، وإنما يحتاج إلى سياسة ثقافية استباقية. يحتاج إلى أرشيف رقمي وطني، وإلى أفلام وثائقية، وإلى قواعد بيانات علمية، وإلى دعم الباحثين والحرفيين، وإلى إنتاج محتوى احترافي بلغات متعددة يعرف العالم من خلاله تفاصيل الثقافة المغربية وأصولها وتنوعها الجهوي.
فالتراث لا يحميه الغضب، ولا تحسم أصله كثرة التعليقات على فيسبوك وتيك توك. التراث تحميه الوثيقة، ويثبته البحث، وتدافع عنه المؤسسات، ويقدمه إلى العالم خطاب ثقافي رصين.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من نشر هذه الصورة؟ ومن قال إن هذا العرس جزائري؟ بل السؤال الأهم هو: ماذا فعلنا نحن لتوثيق هذا العرس وإثبات سياقه المغربي وتعريف العالم به؟
فإذا كان المغرب ينتظر دائمًا حتى تظهر الأزمة لكي يبدأ في الدفاع عن ذاكرته الثقافية، فقد يجد نفسه أمام معركة أصعب بكثير. أما إذا بدأ من الآن في توثيق تراثه وتعريف العالم به، فلن يكون محتاجًا إلى الصراخ في مواقع التواصل الاجتماعي، لأن الوثيقة ستكون أقوى من المنشور، والتاريخ الموثق سيكون أقوى من الرواية المتداولة.
التراث المغربي ليس مجرد صورة عرس أو لباس تقليدي يظهر في مقطع فيديو؛ إنه ذاكرة مجتمع وهوية أجيال. وحمايته ليست مسؤولية المغاربة على مواقع التواصل وحدها، بل مسؤولية المؤسسات التي يفترض أن تكون حارسة لهذه الذاكرة.


































