عندما تخرج الكرة عن حدود الملعب : شغب المدرجات بين الاحتقان الاجتماعي ومسؤولية الجميع

Imou Media1 مايو 2026
عندما تخرج الكرة عن حدود الملعب : شغب المدرجات بين الاحتقان الاجتماعي ومسؤولية الجميع

عندما تخرج الكرة عن حدود الملعب: شغب المدرجات بين الاحتقان الاجتماعي ومسؤولية الجميع

ن عمر بالكوجا أكادير

لم تعد أحداث العنف المرتبطة ببعض المباريات الكروية في المغرب مجرد حالات معزولة أو انفلاتات ظرفية، بل تحولت إلى ظاهرة تفرض نفسها بقوة على النقاش العمومي، خاصة بعد الأحداث التي شهدها محيط وداخل مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي، والتي أعادت إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الرياضة، والشباب، والمجتمع.

فما وقع لم يكن مجرد خلاف بين جماهير متنافسة، بل مشاهد من الفوضى امتدت إلى الشارع، وشملت تخريب ممتلكات عامة وخاصة، واعتداءات متبادلة، وحالة من الهلع وسط المواطنين. وهي صور تسيء لكرة القدم المغربية، وتتناقض مع المكانة التي باتت تحتلها المملكة على الساحة الرياضية القارية والدولية.

كرة القدم… متنفس يتحول أحيانًا إلى انفجار
بالنسبة لآلاف الشباب، تمثل كرة القدم مساحة للانتماء والتعبير والحلم. لكنها، بالنسبة لفئة محدودة، تتحول إلى منصة لتفريغ الغضب والاحتقان، خصوصًا في ظل ضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية متراكمة.

هذا الواقع لا يبرر العنف بأي حال من الأحوال، لكنه يساعد على فهم الخلفيات التي تجعل بعض الأفراد يأتون إلى الملعب وهم يحملون استعدادًا مسبقًا للمواجهة، لا لمتابعة مباراة أو تشجيع فريق.

فالمدرجات، في هذه الحالات، تصبح امتدادًا لأزمات أعمق يعيشها الشارع، حيث تختلط المنافسة الرياضية بالشعور بالتهميش، ويتحول الانتماء الكروي إلى هوية بديلة تُستخدم أحيانًا في مواجهة المجتمع نفسه.
لا مبرر للفوضى

مهما كانت الدوافع، فإن الاعتداء على الأشخاص، وتخريب الممتلكات، وتعريض سلامة المواطنين للخطر، لا يمكن اعتباره شكلاً من أشكال الاحتجاج أو التعبير المشروع.

فالدولة تستثمر مليارات الدراهم في تطوير البنية التحتية الرياضية، وتأهيل الملاعب، وتحسين صورة المغرب استعدادًا لاستحقاقات عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس إفريقيا وكأس العالم 2030.

ومن غير المقبول أن تتحول هذه المنشآت إلى فضاءات للفوضى والعنف، أو أن يدفع المواطن ثمن سلوكيات أقلية تسيء إلى الأغلبية الساحقة من الجماهير.
مسؤولية مشتركة

معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، رغم ضرورتها وحتميتها في مواجهة كل أشكال التخريب والعنف.
المطلوب اليوم هو تفعيل مقاربة شاملة تنخرط فيها مختلف الأطراف:
الأندية الرياضية، عبر تعزيز التواصل مع جماهيرها وتأطير روابط المشجعين.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، من خلال وضع برامج تربوية وتحسيسية مستمرة.

المؤسسات التعليمية والثقافية، لترسيخ قيم المواطنة والروح الرياضية.
وسائل الإعلام، بتبني خطاب مسؤول يرفض التحريض ويعزز ثقافة التشجيع الحضاري.

الأسر، باعتبارها الحلقة الأولى في بناء سلوك الأبناء.
جمهور واعٍ وأقلية مشاغبة
من المهم التأكيد أن غالبية الجماهير المغربية تقدم نماذج راقية في التشجيع والإبداع، سواء عبر اللوحات الفنية أو الأهازيج أو الدعم اللامشروط لفرقها.
غير أن تصرفات أقلية محدودة تكفي أحيانًا لتشويه صورة الجميع، وهو ما يستوجب الفصل بوضوح بين المشجع الحقيقي، الذي يعشق فريقه ويحترم القانون، وبين من يتخذ من القميص والراية غطاءً لممارسة العنف والفوضى.
رهانات المرحلة المقبلة

المغرب مقبل على تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، وهو ما يجعل من الضروري تعزيز الأمن الرياضي، وتطوير آليات الولوج إلى الملاعب، واعتماد حلول تكنولوجية حديثة لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين.

فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بحماية المباريات، بل بحماية صورة بلد بأكمله، يسعى إلى ترسيخ مكانته كقوة رياضية وتنظيمية على المستوى الدولي.
في الختام

كرة القدم وجدت لتوحد الناس، لا لتفرقهم. ولتصنع الفرح، لا لتزرع الخوف. والمدرجات يجب أن تظل فضاءً للاحتفال والانتماء، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تفريغ الأزمات.

إن حماية شغف الجماهير مسؤولية جماعية، تبدأ من التربية، وتمر عبر التأطير، وتنتهي بتطبيق القانون بحزم وعدالة. لأن الرياضة التي نريدها للمغرب هي تلك التي تليق بطموحاته، وتعكس حضارته، وتُعبر عن أفضل ما في شبابه.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.