منطقة بنسركاو تحت حصار “البوفا” حين يتحول شباب في عمر الزهور إلى ضحايا إدمان قاتل
لم يعد الحديث عن مخدر “البوفا” مجرد نقاش عابر في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح واقعاً مقلقاً يفرض نفسه بقوة داخل عدد من الأحياء الشعبية، وعلى رأسها منطقة بنسركاو، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى نقطة سوداء تثير خوف الأسر وقلق الساكنة، بعدما صار هذا المخدر القاتل ينتشر وسط الشباب بشكل مرعب وغير مسبوق.
مشاهد صادمة باتت تتكرر يومياً؛ شباب في مقتبل العمر فقدوا توازنهم النفسي والجسدي، مراهقون تاهوا في دوامة الإدمان، وعائلات تعيش حالة انهيار حقيقي أمام عجزها عن إنقاذ أبنائها من قبضة مادة توصف بأنها من أخطر السموم المنتشرة في الشارع المغربي. لم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة، بل بظاهرة آخذة في الاتساع بشكل يهدد جيلاً كاملاً.
“البوفا”، الذي يُعرف بتركيبته الكيميائية الخطيرة وتأثيره المدمر على الجهاز العصبي والعقل، لا يدمر فقط صحة المتعاطي، بل يحوله في كثير من الأحيان إلى شخص عدواني ومنعزل وفاقد للسيطرة على سلوكاته، ما ينعكس بشكل مباشر على الأمن الأسري والاجتماعي. حالات السرقة والعنف والانحراف أصبحت ترتبط بشكل متزايد بانتشار هذه المادة، وسط تحذيرات متصاعدة من مختصين وفاعلين جمعويين.
السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم: كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى؟ ومن يتحمل مسؤولية ما يحدث؟
هل الأسرة التي غابت عن التوجيه والمراقبة؟
أم المدرسة التي تراجع دورها التربوي؟
أم الفراغ والبطالة والتهميش الاجتماعي الذي يدفع بعض الشباب للهروب نحو المخدرات؟
أم أن شبكات الترويج أصبحت أقوى وأكثر انتشاراً من أي وقت مضى؟
ويرى كثيرون أن تفاقم هذه الظاهرة يطرح أيضاً مسؤولية الجهات الأمنية في ما يتعلق بمحاصرة انتشار هذه السموم داخل الأحياء الشعبية والتصدي لتحركات مروجيها، خاصة مع تزايد مظاهر استهلاك “البوفا” في عدد من المناطق بشكل بات يثير قلق الساكنة. فالمواطنون ينتظرون حضوراً أمنياً أكثر صرامة وفعالية يعيد الإحساس بالأمان ويحاصر منابع هذا الخطر قبل أن يبتلع المزيد من الشباب.
كما يعتبر متابعون أن استمرار انتشار هذا المخدر بهذه الصورة يعكس الحاجة إلى تدخل أقوى وأكثر قرباً من الواقع اليومي للأحياء المتضررة، لأن حماية الشباب من السقوط في الإدمان لم تعد مجرد مسؤولية اجتماعية فقط، بل أصبحت أيضاً مسؤولية مرتبطة بحماية الأمن المجتمعي ومستقبل جيل كامل.
وتعيش العديد من الأسر ببنسركاو اليوم على وقع معاناة يومية صامتة؛ أمهات يلاحقن أبناءهن بين الشوارع والأزقة خوفاً من السقوط النهائي في الإدمان، وآباء عاجزون أمام التحول المفاجئ الذي يصيب أبناءهم، فيما يجد بعض الشباب أنفسهم أسرى لهذه المادة في سن مبكرة، دون مواكبة أو علاج أو احتواء.
إن ما يحدث اليوم ببنسركاو ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل جرس إنذار حقيقي يدق بقوة داخل المجتمع، لأن الخطر لم يعد يهدد أفراداً بعينهم، بل يهدد مستقبل جيل بأكمله، في وقت أصبح فيه “البوفا” عنواناً لضياع شباب كان من المفترض أن يكون قوة بناء وتنمية، لا ضحية لمخدر يحصد الأرواح والأحلام في صمت.
ولأن هذا الملف يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، وتتشعب داخله معاناة الأسر وأسئلة الشارع، فإن لنا عودة قريبة إلى هذا الموضوع الشائك من خلال تسليط الضوء على شهادات ومعطيات وتفاصيل أخرى تكشف حجم الخطر الذي بات يهدد فئة واسعة من الشباب .




































