رئيس هيئة النزاهة: مكافحة الفساد تحتاج إلى “أدلة حقيقية” لا إلى مؤشرات شكلية
في خطوة تهدف إلى إحداث تحول عميق في منهجية تقييم السياسات العمومية المرتبطة بمحاربة الفساد، شدّد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، على ضرورة القطع مع الأساليب التقليدية التي تعتمد على الانطباعات أو الأرقام المجردة. وجاء ذلك خلال لقاء دراسي خُصص لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد، حيث أكد أن أي معالجة جدية لهذه الظاهرة يجب أن تنطلق من معطيات علمية دقيقة ومنهجيات قائمة على الأدلة.
وأوضح بنعليلو أن الحديث عن محاربة الفساد لا ينبغي أن يبقى مرتبطاً بإبراز إنجازات شكلية أو تعداد مشاريع مؤسساتية، لأن هذا النهج يخلق ـ حسب قوله ـ “وهم الإنجاز”، بينما الواقع الذي يلمسه المواطن قد يعكس عكس ذلك. وأضاف أن المطلوب اليوم هو الانتقال إلى مرحلة جديدة تركز على نتائج ملموسة تُحدث فرقاً في حياة المواطنين، وتُسهم في تعزيز الثقة في المرفق العام.
وفي هذا الإطار، كشف رئيس الهيئة عن إطلاق مشروع الدليل الوطني لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد للنقاش العمومي، وهو دليل أُنجز بشراكة مع مجلس أوروبا، ويرتكز على أدوات علمية حديثة، من بينها نظرية التغيير وسلاسل القيمة والنتائج. ويسعى هذا المشروع إلى ترسيخ ثقافة جديدة في الإدارة المغربية مبنية على التقييم الموضوعي، من خلال التمييز بين التتبع الإداري الروتيني وبين التقييم الحقيقي للأثر الذي تتركه السياسات على أرض الواقع.
كما شدّد بنعليلو على أن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس بعدد التقارير أو حجم النفقات أو وتيرة إنشاء الهيئات والمؤسسات، بل يُقاس بمدى قدرتها على تقليص فرص الفساد، وتحسين جودة الخدمات، وإحداث تغييرات فعلية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وأشار إلى أن الدليل الوطني يمثل خطوة نوعية في مسار تعزيز الشفافية والنزاهة، باعتباره يوفر نموذجاً عملياً لمؤسسات الدولة من أجل بناء سياسات أكثر فاعلية وواقعية، مبنية على مؤشرات دقيقة يمكن قياسها وتحليلها، بعيداً عن الخطابات العامة أو النتائج المعلّبة.
وفي ختام كلمته، دعا بنعليلو مختلف الفاعلين من إدارات ومؤسسات وهيئات المجتمع المدني والباحثين والخبراء إلى الانخراط في النقاش المفتوح حول هذا المشروع، والمساهمة في تطويره، باعتباره لبنة أساسية في ورش ترسيخ النزاهة والقطع مع مظاهر الهدر والاختلال في تدبير الشأن العام.
هذا التوجه الجديد، بحسب مراقبين، قد يشكل منعطفاً في كيفية تعامل الدولة مع ملفات الفساد، من مقاربة رد فعل آنية إلى سياسية استباقية مبنية على الفعالية والنتائج، بما يعزز الحوكمة ويقوي ثقة المواطنين في المؤسسات.




































