محمد الكوكبي : الشراكة المغربية–الأمريكية: تحالف تاريخي يتجدد برؤية استراتيجية عالمية
الرباط
تُعدّ العلاقات المغربية–الأمريكية واحدة من أقدم الشراكات الدبلوماسية في النظام الدولي الحديث، ليس فقط من حيث الامتداد الزمني، بل من حيث عمقها السياسي وقدرتها على التطور المستمر وفق التحولات الإقليمية والدولية. ففي عالم تتغير فيه التحالفات بتغير المصالح، ظل هذا الارتباط نموذجًا لتحالف مبني على الثقة والاستمرارية.
في هذا السياق، يرى الصحفي الدولي المتخصص في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، محمد الكوكبي، أن العلاقة بين الرباط وواشنطن تشكل استثناءً في تاريخ العلاقات الدولية، لأنها لم تُبنَ على منطق ظرفي أو توازنات عابرة، بل على رؤية استراتيجية مبكرة اختارها المغرب منذ أواخر القرن الثامن عشر.
جذور تاريخية تؤسس لتحالف مستقبلي
ويؤكد الكوكبي أن اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777 لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل قرارًا سياديًا يعكس وعيًا مبكرًا بطبيعة النظام الدولي الصاعد آنذاك، القائم على الدول المستقلة والتحالفات طويلة الأمد.
فالمغرب، كأول دولة تعترف بالولايات المتحدة، لم يراهن فقط على واقع قائم، بل استشرف مستقبل قوة دولية صاعدة، واختار أن يكون شريكًا مبكرًا لها في إطار من الاحترام المتبادل والسيادة.
من علاقات ودية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد
وعرفت هذه العلاقات تطورًا متدرجًا عبر محطات تاريخية مختلفة، غير أن التحول الأبرز، بحسب الكوكبي، سُجّل خلال عهد الملك محمد السادس، حيث انتقلت العلاقات من إطار الصداقة التقليدية إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل المجالات السياسية، الاقتصادية، الأمنية، والعسكرية.
ففي هذا العهد، تم تعزيز موقع المغرب كفاعل إقليمي محوري، وجرى ربط التعاون الثنائي برهانات كبرى مثل الأمن الإقليمي، التنمية المستدامة، ومحاربة التهديدات العابرة للحدود، في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
محطة مفصلية في العلاقات الثنائية
ويعتبر الكوكبي أن المرحلة التي قاد فيها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الإدارة الأمريكية شكّلت منعطفًا مهمًا في مسار هذه العلاقات، حيث تم التأكيد بشكل واضح على مكانة المغرب كحليف استراتيجي للولايات المتحدة خارج حلف شمال الأطلسي، وعلى دوره المحوري في حفظ الاستقرار الإقليمي.
وقد تُوّج هذا المسار بتكريس تعاون سياسي وأمني متقدم، يعكس حجم الثقة التي تحظى بها الرباط داخل دوائر القرار بواشنطن.
التعاون الأمني والعسكري: شراكة تتجاوز التنسيق التقني
وفي المجال الأمني والعسكري، يبرز التعاون بين البلدين كأحد أعمدة هذه الشراكة، إذ لم يعد يقتصر على التدريبات أو تبادل الخبرات، بل أصبح جزءًا من مقاربة استراتيجية شاملة لمواجهة التحديات الأمنية المعقدة، من الإرهاب الدولي إلى الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
ويشير الكوكبي إلى أن التنسيق الاستخباراتي والعسكري المتقدم يعكس نظرة واشنطن إلى المغرب باعتباره شريكًا موثوقًا وقادرًا على الإسهام في الأمن الجماعي الإقليمي والدولي.
البعد الاقتصادي: المغرب كمنصة إقليمية
اقتصاديًا، تشكل اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، إلى جانب تنامي الاستثمارات الأمريكية، دليلًا على انتقال العلاقات من منطق التبادل إلى منطق التأثير المتبادل. فقد بات المغرب يُنظر إليه كمنصة استراتيجية تربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا، وفاعلًا أساسيًا في سلاسل القيمة العالمية.
ويرى الكوكبي أن الرهان لم يعد مرتبطًا فقط بأرقام المبادلات التجارية، بل بقدرة المغرب على لعب دور محوري في الاقتصاد الإقليمي والدولي، مستفيدًا من استقراره السياسي وموقعه الجغرافي.
الدبلوماسية الميدانية ودور السفارة الأمريكية
وفي هذا الإطار، يلفت الكوكبي إلى الدور المتنامي الذي تلعبه السفارة الأمريكية بالرباط، معتبرًا أن الدبلوماسية الأمريكية في المغرب انتقلت من منطق التمثيل الكلاسيكي إلى منطق العمل الميداني والبرامج الملموسة.
كما أشار إلى أن السفير الأمريكي المعيّن مؤخرًا عبّر، في أكثر من مناسبة، عن التزامه الشخصي والمؤسساتي بتعزيز هذه الشراكة، عبر مبادرات عملية تربط الرمزية الدبلوماسية بأهداف استراتيجية واضحة.
احتفال يحمل رسائل سياسية عميقة
وختم محمد الكوكبي تحليله بالتأكيد على أن الاحتفال الذي احتضنته الرباط مؤخرًا، في إطار العلاقات المغربية–الأمريكية، لم يكن حدثًا بروتوكوليًا معزولًا، بل رسالة سياسية متعددة الأبعاد موجهة إلى الإقليم والعالم.
رسالة مفادها أن هذا التحالف لا يقوم على منطق الاستهداف أو الإقصاء، بل على دعم الاستقرار، وترسيخ السلام، وتعزيز التنمية المشتركة، في إطار احترام سيادة الدول وخياراتها الوطنية.
ويخلص الكوكبي إلى أن ما يجمع الرباط وواشنطن اليوم هو وعي استراتيجي مشترك بأن الأمن والسلام لا يُفرضان بالقوة، بل يُبنيان عبر شراكات ذكية، ودبلوماسية مسؤولة، ورؤية بعيدة المدى.



































