لفتيت: تعديلات القوانين الانتخابية ضرورة لحماية المسار الديمقراطي من مخاطر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي
شهدت لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بمجلس النواب نقاشاً موسعاً حول التعديلات الجديدة التي حملها مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، حيث قدم وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، رؤية وزارته بشأن دوافع هذه الإصلاحات وأهدافها، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الفضاء الرقمي وانتشار أدوات التأثير غير المشروع على الرأي العام.
قوانين جديدة لحماية التصويت من التدخل الأجنبي
لفتيت أكد أن التعديلات المقترحة تأتي لمواجهة التهديدات الجديدة التي باتت تفرضها المنصات الرقمية، مشيراً إلى أن عدداً من الدول الديمقراطية اعتمدت تشريعات صارمة لمنع التمويل الخارجي للمحتويات السياسية، لما يشكله من تهديد مباشر لنزاهة الانتخابات وتأثيره على اختيارات الناخبين.
وأوضح الوزير أن نشر المحتوى السياسي بشكل مجاني على مواقع التواصل يظل حقاً مكفولاً، لكن الإشكال ـ كما قال ـ يكمن في “الدفع لمنصات أجنبية من أجل ترويج محتوى انتخابي مدفوع”، وهو ما قد يشكل باباً للتدخل الخارجي أو لتوجيه الرأي العام بعيداً عن مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة القانون الانتخابي
وأضاف لفتيت أن الحاجة لاعتماد ضوابط قانونية جديدة أصبحت ملحة، خصوصاً بعد التطور الهائل في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي، القادرة اليوم على إنتاج فيديوهات وصور وصوتيات مفبركة يصعب تمييزها. واعتبر أن هذه التقنيات، في حال استغلالها لأغراض سياسية، قد تشوّش بشكل غير مسبوق على العملية الانتخابية وعلى قناعات الناخبين.
عقوبات مالية وجنائية لردع الإعلانات المدفوعة والأخبار الزائفة
ويتضمن مشروع القانون عدداً من الإجراءات الصارمة، من بينها:
غرامات بين 50 و100 ألف درهم لكل من ينشر إعلانات انتخابية مدفوعة على منصات أجنبية أو يعلق ملصقات خارج الأماكن المحددة.
مقتضيات واضحة تحدد فضاءات خاصة لتعليق الإعلانات، وفق مبدأ المساواة بين المترشحين.
عقوبات جنائية تتراوح بين سنتين وخمس سنوات وغرامات كبرى ضد كل من يروج أخباراً زائفة أو مضللة مرتبطة بالتصويت عبر أي وسيلة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية.
ويهدف هذا التشديد، بحسب لفتيت، إلى التصدي لظاهرة “الحقائق المصنّعة” التي أصبحت إحدى أخطر الآليات المستعملة للتأثير على الناخبين.
موازنة بين حرية التعبير وحماية الديمقراطية
وردّاً على الانتقادات التي اعتبرت هذه التعديلات تضييقاً على حرية الرأي، شدد الوزير على أن الحكومة “لا تسعى إلى تقييد حرية الصحافة ولا التعبير”، مؤكداً أن للمواطن الحق في الانتقاد وفي الكلام عن وجود خروقات، لكن “عند عرض القضية أمام القضاء يجب تقديم الأدلة“.
ويعكس هذا التوجه، وفق متتبعين، رغبة الدولة في ضبط المجال الرقمي دون المسّ بالحقوق الدستورية، وذلك بإقرار أدوات قانونية تضمن الشفافية وتمنع استغلال حرية التعبير لنشر المغالطات أو التشهير الانتخابي.
تشجيع الشباب وتجديد النخب
كما أكد لفتيت، خلال جلسة الأسئلة الشفوية، أن التحفيزات المالية المخصصة للشباب والنساء ستخضع لمعايير شفافة، باعتبارها جزءاً من سياسة عمومية تهدف إلى ضخ دماء جديدة في المؤسسات التمثيلية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.
إصلاح انتخابي يواكب العصر الرقمي
ويرى خبراء أن التعديلات الجديدة تشكل منعطفاً مهماً في تحديث المنظومة الانتخابية المغربية، باعتبارها تضع لأول مرة ضوابط صريحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات الأجنبية في الحملات الانتخابية. كما تسعى، وفق التحليل ذاته، إلى خلق توازن دقيق بين حماية المسار الديمقراطي وبين ضمان حرية التعبير في سياق دولي يشهد تصاعداً لظاهرة الأخبار الزائفة والتضليل الرقمي.
وتُعد هذه الخطوة، بحسب مراقبين، جزءاً من مسار إصلاحات أوسع تروم تعزيز الثقة في العملية الانتخابية وضمان أن تعكس نتائجها الإرادة الحقيقية للناخبين في زمن لم يعد فيه التأثير الرقمي شأناً هامشياً، بل أحد أهم عناصر تشكيل المشهد السياسي.



































