“كريمة د إيستيس”.. حين تختبر الدراما الأمازيغية حدود الجرأة في رمضان
شهدت الدراما الأمازيغية خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا نوعيًا جعلها رقما صعبًا في الخريطة الرمضانية المغربية. فبعد أن ظلت لسنوات حبيسة قوالب تقليدية ترتبط بالفضاء القروي والحقبة الماضية، نجحت في بناء هوية خاصة بها، قائمة على المزج بين الطابع العائلي المحافظ والطرح الاجتماعي الخفيف الذي يلامس هموم الناس دون صدام مباشر مع المنظومة القيمية السائدة.
غير أن الموسم الرمضاني الحالي حمل معه منعطفًا غير مسبوق، مع عرض مسلسل “كريمة د إيستيس” على قناة قناة تامزيغت (الثامنة)، والذي أثار نقاشًا واسعًا بسبب تضمّنه مشاهد اعتبرها جزء من الجمهور خروجًا عن الأعراف غير المكتوبة التي حكمت الإنتاجات الأمازيغية لعقود.
دراما “نظيفة” وهوية راسخة
تكوّنت لدى المشاهد المغربي صورة ذهنية إيجابية عن الدراما الأمازيغية باعتبارها أعمالًا “عائلية”، يمكن متابعتها دون حرج داخل البيوت، خصوصًا خلال شهر رمضان. وقد التزمت معظم هذه الإنتاجات بما يشبه “ميثاقًا أخلاقيًا” غير معلن، يراعي حساسية المجتمع الأمازيغي المحافظ، ويتجنب ما يمكن أن يُفهم على أنه استفزاز بصري أو سلوكي.
هذا التوازن بين الترفيه واحترام الخصوصية الثقافية كان أحد أسرار نجاح هذه الأعمال، حيث قدمت نقدًا اجتماعيًا هادئًا، وطرحت قضايا الهجرة، والفقر، والتحولات القيمية، دون اللجوء إلى مشاهد صادمة أو مثيرة للجدل.
مشاهد كسرت الصمت
في هذا السياق، جاء مسلسل “كريمة د إيستيس” ليُحدث شرخًا في هذا المسار الهادئ. فقد تضمّن مشهد قبلة بين شخصيتين، إضافة إلى مشهد آخر يظهر أحد الأبطال وهو يتبول بمحاذاة جدار. ورغم بساطة هذه الأفعال في الحياة اليومية، فإن ظهورها على شاشة دراما أمازيغية خلال رمضان كان كافيًا لإشعال نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي.
الجدل لم يكن حول الفعل ذاته بقدر ما كان حول دلالته الرمزية: هل دخلت الدراما الأمازيغية مرحلة جديدة من الجرأة؟ أم أنها تجاوزت حدودًا كان يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من خصوصيتها؟
ثلاثة مواقف… ونقاش مفتوح
انقسم الرأي العام إلى ثلاث مقاربات أساسية:
أولًا: موقف رافض بشدة
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الدراما الأمازيغية ليست مجرد انعكاس للواقع، بل حاضنة للقيم الجماعية. ويعتبرون أن إدخال مثل هذه المشاهد، خصوصًا في رمضان، يُعد تطبيعًا بصريًا مع سلوكيات لا يرغب كثيرون في رؤيتها داخل فضاء عائلي.
ثانيًا: موقف مدافع عن الجرأة
في المقابل، يدافع فريق آخر عن حرية التعبير الفني، معتبرًا أن الفن لا يمكن أن يظل رهين “الطابوهات”. فالتقبيل أو التصرفات اليومية ليست اختراعًا دراميًا، بل جزء من الواقع، وتجاهلها بدعوى الحياء العام قد يحول الدراما إلى صورة مثالية مزيفة.
ثالثًا: قراءة وسطية نقدية
أما الرأي الثالث، فيتعامل مع الحدث باعتباره لحظة انتقالية طبيعية في مسار أي صناعة فنية. فالتطور غالبًا ما يمر عبر صدمات صغيرة تعيد تعريف الحدود. السؤال هنا لا يتعلق بالقبلة أو المشهد الآخر في حد ذاتهما، بل بما إذا كانت الصناعة الدرامية الأمازيغية بصدد إعادة صياغة علاقتها مع الجمهور.
بين المرآة والتوجيه
يطرح الجدل سؤالًا أعمق: ما الدور المنتظر من الدراما الأمازيغية؟
هل يُراد لها أن تكون مرآة تعكس الواقع كما هو، بكل تفاصيله اليومية؟ أم يُفترض أن تمارس نوعًا من الانتقاء الأخلاقي، فتقدم الواقع بعد تهذيبه وإعادة تشكيله؟
في المجتمعات المحافظة، غالبًا ما يُنظر إلى الفن بوصفه أداة ترفيه وتربية في آنٍ واحد، لا مجرد مساحة للتجريب. ومن هنا تتعقّد المعادلة بين حرية الإبداع وحساسية المتلقي.
لحظة فارقة في المسار الفني
بعيدًا عن الأحكام المتسرعة، يمكن اعتبار ما حدث مؤشرًا على أن الدراما الأمازيغية دخلت مرحلة جديدة من التساؤل حول ذاتها. فالصناعات الثقافية لا تتطور في بيئة ساكنة، بل عبر النقاش والاختلاف وإعادة التفاوض حول الحدود المقبولة.
قد يتفق البعض أو يختلف مع خيارات “كريمة د إيستيس”، لكن المؤكد أنه فتح بابًا لحوار غير مسبوق حول مفهوم الجرأة، وحدود التعبير، وطبيعة العلاقة بين الفن والمجتمع.
وفي النهاية، ليست القضية قبلة عابرة أو مشهدًا عابرًا، بل سؤال أكبر يتشكل بهدوء:
إلى أين تتجه الدراما الأمازيغية؟
ذلك السؤال، مهما بدا مزعجًا، قد يكون بداية مرحلة جديدة… عنوانها إعادة تعريف الخطوط الحمراء، لا إلغاؤها بالضرورة، بل فهمها في سياق مجتمع يتغير باستمرار.


































