على إيقاع مشروع المحاماة حين يكشف الخلاف بين رأسي السلطة التنفيذية هشاشة التنسيق داخل الأغلبية ويضع تماسكها على المحك
ن عمر بالكوجا أكادير
في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يشكل مشروع القانون رقم 66.23 محطة تنظيمية لتحديث مهنة المحاماة وتطوير إطارها القانوني، تحول إلى اختبار حقيقي لمدى انسجام الأغلبية الحكومية وقدرتها على تدبير الخلافات الداخلية بهدوء ومسؤولية. فالأزمة التي تفجرت حول هذا النص لم تعد مجرد نقاش مهني بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بل أضحت عنواناً لخلل أعمق في آليات التنسيق واتخاذ القرار داخل الجهاز التنفيذي.
الخلاف الذي برز إلى العلن بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير العدل عبد اللطيف وهبي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة تراكمات في طريقة تدبير ملف حساس يتقاطع فيه القانوني بالسياسي والمهني بالحزبي. قرار رئيس الحكومة إحداث لجنة تقنية لتولي المشاورات مع جمعية هيئات
المحامين بالمغرب، وتكليف الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان مصطفى بايتاس بالمشاركة في الإشراف على هذا المسار، فُهم على نطاق واسع باعتباره إعادة توزيع للأدوار داخل الحكومة، لكنه في الوقت نفسه عكس مستوى من عدم الرضا عن تدبير المرحلة السابقة.
المشهد بدا لافتاً: ملف من صميم اختصاص وزارة العدل يُسحب عملياً من يد الوزير الوصي، ويُحال إلى مقاربة جماعية تقودها رئاسة الحكومة. هذه الخطوة، سواء قُرئت كتصحيح للمسار أو كإجراء احترازي لاحتواء الاحتقان، حملت دلالات سياسية قوية بشأن طبيعة العلاقة داخل التحالف الحكومي، وأثارت تساؤلات حول حدود المسؤولية الفردية والجماعية في تدبير الأزمات.
في المقابل، لم يخفِ وزير العدل انزعاجه من تأجيل إحالة المشروع على
البرلمان دون تنسيق مسبق معه، كما أثار غيابه عن المجلس الحكومي الأخير، عقب زيارة خارجية، كثيراً من التأويلات السياسية. وبين من اعتبر ذلك تعبيراً عن امتعاض مشروع، ومن رآه تصعيداً غير محسوب، ظل الرأي العام أمام صورة حكومة تتعامل مع خلافاتها عبر رسائل غير مباشرة بدل بلورة موقف سياسي واضح ومُعلن.
الأزمة تجاوزت بعدها الشخصي لتلامس تماسك الأغلبية ذاتها، خاصة في ظل تضامن غير معلن داخل حزب الأصالة والمعاصرة مع أمينه العام السابق، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الانضباط داخل التحالف وحدود الاصطفاف الحزبي عندما تتعارض الحسابات السياسية مع منطق العمل الحكومي المشترك.
أما على مستوى الواقع المهني، فقد أدى الاحتقان إلى تعطيل عدد من محاكم المملكة لأيام، وهو ما جعل كلفة الخلاف أكبر من مجرد اختلاف في وجهات النظر حول نص قانوني. فبدل أن يشكل المشروع أرضية لنقاش تشاركي هادئ حول إصلاح منظومة العدالة، تحول إلى مؤشر على هشاشة قنوات الحوار داخل الحكومة نفسها.
في النهاية، تكشف هذه الواقعة أن تدبير الملفات الحساسة لا يحتمل شخصنة النقاش ولا منطق كسر العظام، بقدر ما يحتاج إلى وضوح في الرؤية، وانسجام في القرار، وتحمل جماعي للمسؤولية. فنجاح أي إصلاح قانوني لا يُقاس فقط بجودة نصوصه، بل أيضاً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على إدارة خلافاتهم ضمن إطار مؤسساتي متماسك يحفظ هيبة الدولة وثقة المواطنين.


































