أحمد الرحالي
يفرض المنطق التنافسي في كرة القدم الحديثة التعامل مع كافة المنتخبات الوافدة بمنطق “الحياد الرياضي”، بعيداً عن الانجراف خلف العواطف أو شعارات “الأخوة” التي قد تُضعف من هيبة الملاعب المغربية. إن الحماس الزائد الذي تظهره بعض الجماهير تجاه المنتخبات الضيفة، تحت ذريعة الروابط التاريخية أو الجغرافية، يساهم في تقوية هؤلاء المنافسين ذهنياً ويمنحهم طاقة إضافية لمواجهة “أسود الأطلس” مستقبلاً. فالمدرج المغربي هو “سلاح استراتيجي” وليس منصة للعلاقات العامة، ومن الضروري مهنياً إدراك أن كل صيحة تشجيع تُمنح للخصم هي خصم مباشر من رصيد الأفضلية التي يمتلكها المغرب فوق أرضه.
تُحذر القواعد غير المكتوبة في عالم التنافس القاري من مغبة تحويل الملاعب الوطنية إلى فضاءات مريحة للخصوم، لأن منحهم “الدعم العاطفي” يكسر حاجزي الغربة والرهبة لديهم. عندما تجد المنتخبات الأخرى مدرجاً يغلي بالحماس خلفها، فإنها تكتسب مناعة ضد الضغط النفسي وتصبح أكثر جسارة في الدفاع عن حظوظها، وهو ما يخدم مصلحة هؤلاء المنافسين في سباقهم نحو لقب كأس إفريقيا. لذا، فإن مصلحة المنتخب المغربي تقتضي ترك العواطف جانباً، والاكتفاء بالحياد التنظيمي تجاه الآخرين، لضمان بقاء الزخم الجماهيري “ماركة مسجلة” تُستخدم حصراً لترهيب الخصوم وتحفيز الأسود.
لاسيما وأن الخصوصية التي صنعها الجمهور المغربي في المونديال الأخير يجب أن تظل أداة ضغط تكتيكي يُحسب لها ألف حساب، لا أن تُبتذل في تشجيع كل من وطأت قدماه ملاعب المملكة. إن الالتزام بالحياد تجاه الضيوف يرسخ صورة المغرب كبلد ينظم البطولات باحترافية، لكنه في الوقت ذاته يرسل رسالة واضحة مفادها أن “سحر المدرج” ليس متاحاً للجميع. إبعاد مسألة العواطف عن قرارات التشجيع هو السبيل الوحيد للحفاظ على مفعول الأهازيج الوطنية، لتبقى صوتاً مرعباً في آذان المنافسين، لا نغمة مألوفة يعتادون سماعها والاستمتاع بها في كل مناسبة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تقوية المنافسين بمنحهم “الأمان الجماهيري” يتعارض مع طموح المغرب في التتويج باللقب القاري، الذي يتطلب بيئة معادية كروياً لكل خصم يواجه أصحاب الأرض. إن اللاعب المغربي يجد قوته في شعوره بالتميز والارتباط الحصري مع شعبه، وهذا الشعور يضعف عندما يتساوى الضيف مع صاحب الدار في نيل تشجيع المدرجات. الاحترافية تقتضي أن يكون الجمهور المغربي “أنانياً” في تشجيعه، موجهاً كل ذرة حماس نحو دعم العلم الوطني فقط، لضمان بناء جدار نفسي لا يمكن اختراقه من طرف أي منتخب طامح لانتزاع الكأس من قلب المغرب.
جدير بالذكر أن استعادة السيطرة على “سيكولوجية الملاعب” هي الخطوة الأولى نحو منصة التتويج، بعيداً عن المبالغة في المجاملات التي لا تخدم الأهداف الرياضية الكبرى. إن الترحيب بالضيوف يكون بتوفير البنى التحتية والأمان والكرم المغربي الأصيل، أما الحناجر والقلوب فيجب أن تظل محجوزة لـ “أسود الأطلس” وحدهم. وبذلك، نضمن أن يظل الجمهور المغربي “السلاح السري” الذي يصنع الفارق في اللحظات الحاسمة، ويقود الوطن نحو المجد الإفريقي بصوت واحد وهدف واحد لا يقبل الشراكة مع أي طرف آخر.




































