سياج البيوت المغربية ينهار تحت مطارق المشاهدات الرقمية

Imou Media1 يناير 2026
سياج البيوت المغربية ينهار تحت مطارق المشاهدات الرقمية

أحمد الرحالي

تستبيح العدسات الرقمية اليوم أدق تفاصيل البيوت المغربية، محولةً جدرانها المنيعة إلى زجاج شفاف يكشف عورات الأسر تحت مسمى “صناعة المحتوى”. فبين عشاء فاخر وهدية استعراضية، تضيع قيم “الستر” التي شكلت لقرون عماد المجتمع، لتستبدل بهوس مَرَضي بالأرقام والتفاعل اللحظي، حيث صار الفرد لا يشعر بوجوده إلا من خلال عدد “اللايكات” التي يحصدها، حتى وإن كان الثمن هو كرامة عائلته وسكينة بيته.

لأن العائد المادي من “البوز” أصبح يغري الكثيرين، فقد تحولت العلاقات الإنسانية الصرفة إلى صفقات تجارية مغلفة بابتسامات مصطنعة أمام الكاميرا. نجد أن الزوج لم يعد شريك حياة بقدر ما صار “إكسسواراً” في مقاطع فيديو زوجته، كما أن الأبناء تحولوا إلى وسيلة لجذب استعطاف المتابعين، مما يخلق جيلاً ينمو وهو يعتقد أن الخصوصية عملة قابلة للتداول، وأن المشاعر الإنسانية يمكن تزييفها من أجل “تريند” عابر.

بيد أن هذا الانفتاح المبالغ فيه أفرز صراعات أسرية حادة، وضعت القيم التقليدية للأهل في مواجهة مباشرة مع طموحات الأبناء الرقمية. فبينما يصر جيل الآباء على قدسية “أسرار الدار”، يرى الجيل الجديد أن الصمت خسارة مالية، وهو ما أدى في حالات كثيرة إلى قطيعة رحم وتراشق بالتهم عبر “البث المباشر”، ليتفرج العالم على غسيل منزلي كان من المفترض أن يظل طي الكتمان.

علاوة على ذلك، يبرز الوجه المظلم لهذه النجومية الزائفة من خلال حملات التشهير والتنمر التي تطال هؤلاء “المؤثرين” بمجرد وقوع أي هفوة. فالجمهور الذي يصفق للمثالية المصطنعة هو نفسه الذي ينقض على الضحية عند أول خلاف عائلي يخرج للعلن، لتتحول الحياة الخاصة إلى ساحة معركة مفتوحة، يفقد فيها الفرد أمانه النفسي واستقراره الاجتماعي مقابل حفنة من الدراهم الافتراضية.

لكن، يظل السؤال معلقاً حول مصير التماسك المجتمعي في ظل هذه الفوضى الرقمية التي لا تحترم كبيراً ولا صغيراً. فهل يستحق “اللايك” أن نضحي من أجله بوقار البيوت؟ الأيام وحدها كفيلة بكشف حجم الندبات التي ستتركها هذه الظاهرة على وجه المجتمع المغربي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.