رمضان في المغرب : سوسيولوجيا التحول من الزمن العادي الى الزمن المقدس

Imou Media7 مارس 2026
رمضان في المغرب : سوسيولوجيا التحول من الزمن العادي الى الزمن المقدس

ياسمين اوحسين

في تجربة تتجاوز التعبد التقليدي لتلامس عمق الملاحظة السوسيولوجية ارتداء المرأة الغير محجبة للحجاب في رمضان هو ليس ليس فقط نوع من الإلتزام بالعرف الاجتماعي بل أداة بحثية لمحاولة فهم التحول الجذري الذي يطرأ على سلوكنا الجماعي كمغاربة بمجرد رؤية الهلال .لماذ نصبح أشخاصأ آخرين في رمضان؟ وما الذي يدفع الفرد للذوبان في تيار الجماعة بشكل مفاجئ ومؤقت؟
لماذا نرى المساجد تغص بمصلين قد لا نراهم في بقية أشهر السنة؟ في علم النفس الاجتماعي لا يمكن تفسير صلاة المسلم الموسمي كفعل إيماني معزول فقط او كإختيار بل كاستجابة لما نسميه بالفرنسية
“Les normes sociales”

ضغط المعايير الاجتماعية في المغرب الذي يعتبر الصلاة في رمضان هي تذكرة الانتماء للجماعة التي تمارس سلطة ناعمة تجعل الفرد يخشى الوصم الاجتماعي أو الشعور بالاغتراب..الصلاة هنا تصبح فعلا هوياتيا هي الطريقة التي يقول بها المغربي أنا جزء منكم أنا منخرط في هذا الوجدان الجمعي، كما إرتداء
غير المحجبة للحجاب في رمضان يمثل اولا نوعا من الهدنة البصرية مع المجتمع من خلال تجربتي شعرت أن الحجاب في هذا الشهر يتحول إلى زي رسمي للزمن المقدس، المرأة المغربية بوعي أو لا وعي تدرك أن سقف التوقعات الأخلاقية للجماعة يرتفع في رمضان فيصبح الحجاب وسيلة لتقليل الاحتكاك مع نظرة الآخر أو رغبة في الاستراحة من معارك الهوية والجمال اليومية للدخول في طمأنينة الجماعة.

خلال الزمن العادي أي باقي اشهر السنة حيث الخطأ مسموح به و حيث تسود نوعا ما الفردانية الدينية، لكنها طبعا فردانية دوما مؤطرة بمعايير المجتمع و حيث المنطق المادي يعتبر التقصير في تأذية الشعائر الدينية أمرا شخصيا لا يكسر توازن المجتمع اما في الزمن المقدس و هو رمضان الزمن الاستثنائي الذي يعاد فيه ترتيب المجتمع و تصبح ممارسة الشعائر الدينية شرطا للإعتراف بالفرد داخل الجماعة كعضو كامل الصلاحية و أي خدش في قدسية هذا الشهر هو تهديد للنظام الروحي و الجماعي ..لذا يهرع الكل
لتبني سلوكيات نمودجية.

في الزمن المقدس هناك ما يسمى بالصيام البصري و هو ما يفضح ميكانيزمات الشارع المغربي و تثبت ان الرجل ليس فقط كائن غريزي و هذا طبيعي و إنما تثبت أن الغريزة محكومة بسلطة الجماعة و ليس بالعقل الفردي حيث في رمضان يتم تعليق الغرائز، الرجل الذي كان يراقب المرأة في رمضان لم يتغير بيولوجيا لكن قواعد اللعبة في الشارع تغيرت في رمضان يجب غض البصر لحفظ الإستثمار التعبدي حيث الجماعة التي تتصالح مع التحرش في خارج رمضان هي نفسها التي تلوم المتحرش في رمضان المسألة هنا ليست إحترام المرأة او إحترام الرجل لنفسه وصيانة كرامته إنما المسألة هي فقط قدسية الشهر .

السؤال الذي يجب طرحة هو: هل الحجاب في رمضان رسالة مشفرة للجنس الاخر؟ هل هو رسالة تحمل شعار توقف عن اللعب نحن الان في الزمن المقدس ؟ هل الحجاب في رمضان وسيلة لنزع الصفة الجنسية عن المرأة و إعطائها صفة الأخت في الصيام ؟ هل تعبد ناتج عن ممارسة الرقابة الجماعية هو فعل ديني حقيقي ؟ و هل هو اعتراف ضمني بأن الرجل المغربي يملك مكابح تستعمل فقط برغبة
الجماعة؟

جدير بالذكر أن رمضان فقد جعل من الآنتى كائنا غير مرئي في الشارع المغربي نفس الرجل الذي كان يمارس سلطة التحديق قبل رمضان فيراقب المرأة من أخمص قدميها حتى خصلات شعرها معدا عنها تقريرا بصريأ شاملأ، أصبح الآن مشغولا عنها بزهده المفاجئ لم يعد يلحظ مرورها ولا عبق عطرها ولا حتى لون حذائها أو تفاصيل ظفائرها…في الزمن المقدس تتعطل غريزة المراقبة وتدخل في سبات شتوي إجباري ليتحول الشارع من حلبة للمطاردة البصرية إلى رواق من الزهد الجماعي المفتعل….هنيئا لنا بهدنة الأجساد هاته ولو لشهر واحد قبل أن يرفع العيد الستار وتبدأ المطاردة من جديد .

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.