خطاب الأرقام لا يطعم المغاربة.. الغلاء يواصل الضغط على جيوب المواطنين
ن عمر بالكوجا أكادير
في كل أسبوع، وخلال الندوة الصحفية التي تعقب اجتماع مجلس الحكومة، يحرص مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، على تقديم أرقام ومعطيات رسمية حول
الوضعية الفلاحية بالمغرب. غير أن هذه الأرقام، التي تبدو في ظاهرها مطمئنة، تثير في المقابل تساؤلات واسعة لدى المواطنين الذين يعيشون يومياً تحت ضغط ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وخلال الندوة الأخيرة، أكد بايتاس أن التساقطات المطرية التي عرفتها المملكة خلال الأسابيع الماضية كان لها أثر إيجابي على حقينة السدود، معتبراً أن هذا المعطى سيمكن من استعادة مستويات الإنتاج الفلاحي السابقة، خاصة في مناطق الري الكبير التي تعتمد بشكل أساسي على الموارد المائية.
غير أن هذا التفاؤل الحكومي لا يعكس، بحسب متابعين للشأن الاقتصادي والاجتماعي، الواقع الذي تعيشه فئات واسعة من المواطنين، خصوصاً في المناطق الفلاحية التي تأثرت بشكل مباشر بتوقف برامج الري الكبير خلال فترات سابقة، وهو ما تسبب في فقدان عدد كبير من العمال الموسميين
لمصادر رزقهم، وارتفاع معدلات البطالة في القرى والمناطق الزراعية.
وفي ما يتعلق بالموسم الفلاحي الحالي، أوضح بايتاس أن المساحات المزروعة بالحبوب والقطاني والزراعات الكلائية بلغت حوالي 4,5 مليون هكتار، منها 3,9 مليون هكتار مخصصة للحبوب الخريفية، مسجلة زيادة تفوق 48 في المائة مقارنة بالموسم الفلاحي الماضي.
ورغم هذا الارتفاع المعلن في المساحات المزروعة، إلا أن انعكاساته على الأسواق المحلية ما تزال محدودة، إذ يشتكي المواطنون من استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية، في ظل اتهامات متكررة للمضاربين بالتحكم في السوق وغياب إجراءات صارمة لضبط الأسعار.
أما الزراعات السكرية، فقد سجلت هي الأخرى ارتفاعاً في المساحات المزروعة التي بلغت حوالي 44 ألف هكتار، بزيادة تقارب 21 في المائة مقارنة بالموسم السابق، رغم القيود المفروضة على مياه السقي. وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الأضرار الناتجة عن الفيضانات لم تتجاوز 11 هكتاراً فقط، وهو رقم اعتبره بعض المتابعين غير كافٍ لتفسير التفاوت بين المعطيات الرسمية والوضع الفعلي للإنتاج.
وفي قطاع الخضر، كشف بايتاس أن المساحات المزروعة بالخضر الخريفية تجاوزت 100 ألف هكتار إلى حدود منتصف شهر دجنبر، مع إضافة حوالي 57 ألف هكتار أخرى لاحقاً. ورغم أن هذه الأرقام توحي بوفرة الإنتاج، إلا أن ذلك لم ينعكس بشكل واضح على أسعار الخضر في الأسواق، حيث ما تزال العديد من المنتجات تسجل أثماناً مرتفعة مقارنة بقدرة المستهلك المغربي.
كما تحدث الناطق الرسمي باسم الحكومة عن تحسن إنتاج الأشجار المثمرة، معتبراً أن هذا القطاع يشكل رافعة مهمة لتشغيل اليد العاملة في العالم القروي، إلى جانب الجهود المبذولة لإعادة تشكيل القطيع الوطني. غير أن هذه المؤشرات الإيجابية، بحسب عدد من المتابعين، لم تُترجم بعد إلى انخفاض ملموس في أسعار اللحوم الحمراء التي بلغت مستويات قياسية في الأسواق، الأمر الذي يثقل كاهل الأسر المغربية.
ويؤكد مراقبون أن الإشكال لا يكمن فقط في الأرقام المعلنة، بل في الفجوة المتزايدة بين المؤشرات الرسمية والواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المواطن. فبينما تتحدث الحكومة عن تحسن الإنتاج وارتفاع المساحات المزروعة، يواجه المواطن يومياً موجة غلاء تمس مختلف المواد الغذائية الأساسية.
وفي ظل هذا الوضع، تتصاعد مطالب العديد من الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بضرورة الانتقال من منطق عرض الأرقام والمؤشرات إلى اعتماد سياسات أكثر فاعلية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، عبر تشديد المراقبة على الأسواق، ومحاربة المضاربة، وضمان وصول الإنتاج الفلاحي إلى المستهلك بأسعار معقولة.
وفي انتظار تحقق ذلك، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة، يجد نفسه فيها عالقاً بين الخطاب الرسمي المتفائل وواقع يومي يزداد صعوبة مع استمرار موجة الغلاء.

































