الداخلة تُطلق أول قرية للأطفال المُسعَفين بالأقاليم الجنوبية: نموذج رائد لترسيخ الرعاية الأسرية البديلة
محمد بوسعيد
تستعد مدينة الداخلة، مطلع يناير المقبل، لافتتاح أول قرية من نوعها للأطفال المُسعَفين بالأقاليم الجنوبية، في خطوة اجتماعية تحمل آمالاً كبيرة لتعزيز منظومة حماية الطفولة وتحسين جودة الرعاية البديلة للأطفال فاقدي السند العائلي. المشروع، الذي وصلت أشغاله إلى مراحل نهائية، يُعد سابقة بالمنطقة ويأتي استجابةً لواقع اجتماعي يزداد تعقيداً بفعل تنامي مؤشرات الهشاشة.
وتشهد المملكة خلال السنوات الأخيرة أرقاماً مقلقة ترتبط بوضعية الطفولة؛ إذ جرى تسجيل 2105 أطفال مهملين خلال سنة 2024، إضافة إلى وجود أكثر من 100 ألف طفل داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، ناهيك عن 101 ألف طفل عامل ينتمون للفئة العمرية ما بين 7 و17 سنة، إلى جانب تخلي 24 طفلاً يومياً عن أسرهم. وتؤكد هذه المؤشرات الحاجة الملحّة إلى حلول مبتكرة تُعيد الاعتبار للطفل وتضمن حقه في بيئة أسرية دافئة ومستقرة.
وفي هذا السياق، برزت فكرة إحداث قرية للأطفال المسعفين بالداخلة، بمبادرة من سامية موستي، المديرة الوطنية لجمعية قرى الأطفال SOS، وبدعم واسع من ولاية جهة الداخلة – وادي الذهب، ومجلس الجهة، والمجلس الإقليمي، وجماعتي الداخلة والعركوب، إضافة إلى التعاون الوطني. وتعكس هذه الشراكة تعددية الفاعلين وانخراطهم المشترك في بناء نموذج اجتماعي جديد يجعل من الطفل محوراً أساسياً للسياسات العمومية المحلية.
وتضم القرية ثمانية منازل أسرية مجهّزة وفق معايير حديثة، تتكفل بكل منزل أم بديلة ومساعدة عائلية، بهدف توفير رعاية متكاملة للأطفال على المستويات النفسية والتربوية والصحية والاجتماعية. وتصل الطاقة الاستيعابية للقرية إلى 80 طفلاً، مما يجعلها إضافة نوعية لمنظومة حماية الطفولة بالأقاليم الجنوبية، ومختبراً لتجربة مجتمعية قائمة على الدفء الأسري بدل الرعاية المؤسساتية التقليدية.
ولا تقتصر مرافق القرية على الإيواء فقط، بل جرى تصميمها لتكون فضاءً مفتوحاً أمام فعاليات المجتمع المدني والمؤسسات المحلية، من خلال إنشاء قاعات للتكوين والأنشطة الثقافية والترفيهية، بهدف تعزيز اندماج الأطفال في محيطهم الاجتماعي وتقوية الروابط بينهم وبين البيئة التي ينشؤون فيها. كما يشكّل المشروع فرصة لتطوير برامج موازية في مجالات المواكبة النفسية، والإدماج المدرسي، وتطوير المهارات الحياتية للأطفال.
ويمثل مشروع قرية الأطفال المسعفين بالداخلة إضافة حقيقية للسياسات الاجتماعية بالجهة، باعتباره نموذجاً يحتذى به في مجال الرعاية البديلة، ولبنة جديدة في مسار تعزيز شبكة الحماية الاجتماعية التي ما فتئت الدولة توليها اهتماماً كبيراً في السنوات الأخيرة. ومن شأن هذه المبادرة أن تُحدث تحولاً ملموساً في حياة الأطفال الأكثر هشاشة، من خلال منحهم فرصة العيش في بيئة أسرية تُعيد إليهم الأمان والاستقرار والأمل في مستقبل أفضل.



































