مؤتمر “استثنائي” بلا مفاجآت: انتقال شكلي في قيادة الأحرار أم إعادة ترتيب هادئة لمراكز القرار؟
ن عمر بالكوجا أكادير
انطلقت أشغال المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة في أجواء بدت، بالنسبة لعدد من المتابعين، أقرب إلى عملية تنظيمية محسومة النتائج منها إلى محطة ديمقراطية مفتوحة على التنافس والنقاش. فمنذ الإعلان عن عقد المؤتمر، كانت المؤشرات توحي بأن مسار
انتخاب القيادة الجديدة محدد سلفاً، وأن المؤتمر سيشكل أساساً إطاراً شكلياً لإضفاء الطابع التنظيمي على قرار سياسي تم اتخاذه مسبقاً داخل دوائر القرار الحزبي.
رسمياً، قُدّم المؤتمر باعتباره مناسبة لانتخاب رئيس جديد للحزب خلفاً لعزيز أخنوش، الذي أعلن عدم الترشح لولاية ثالثة. غير أن اقتصار الترشيحات على اسم واحد، هو محمد شوكي، جعل عملية “الانتخاب” أقرب إلى تزكية تنظيمية منها إلى تنافس ديمقراطي حقيقي، خصوصاً في ظل غياب أي نقاش داخلي واسع حول بدائل القيادة أو تقييم المرحلة السابقة.
ويرى عدد من المراقبين أن تقديم مرشح وحيد للمؤتمرين يعكس رغبة واضحة في ضمان انتقال هادئ للقيادة دون فتح الباب أمام صراعات داخلية محتملة، أو إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحزب بشكل قد يربك حساباته السياسية، سواء على المستوى الحكومي أو التنظيمي. فالمؤتمر، بهذا المعنى، لم يكن ساحة للتنافس بقدر ما كان محطة لإعلان ترتيب جاهز سلفاً.
وفي خلفية هذا المسار التنظيمي، يبرز دور قيادات بارزة داخل الحزب، وعلى رأسها راشيد الطالبي العلمي، الذي اضطلع برئاسة اللجنة التحضيرية وسهر على تدبير مراحل الإعداد للمؤتمر، في سياق اعتبره متابعون محاولة لضمان سير العملية وفق خريطة طريق دقيقة تمنع أي مفاجآت تنظيمية أو سياسية قد تعكر صورة “الانتقال السلس” التي حرص الحزب على تسويقها.
أما لحظة إعلان عزيز أخنوش عدم الاستمرار في رئاسة الحزب، فقد أثارت بدورها قراءات متعددة، خاصة بعد ظهوره متأثراً خلال المؤتمر. فبينما قُدّم القرار رسمياً باعتباره اختياراً شخصياً يندرج ضمن احترام التداول الداخلي، يرى بعض المراقبين أن توقيت الانسحاب وطبيعته يوحيان بكونه جزءاً من إعادة ترتيب أوسع داخل الحزب، أكثر منه مجرد قرار فردي مرتبط بالرغبة في التفرغ للعمل الحكومي.
وبغضّ النظر عن خلفيات هذا الانتقال، فإن المؤتمر الاستثنائي لم يشهد نقاشاً معمقاً حول حصيلة الحزب خلال المرحلة الماضية، سواء على المستوى التنظيمي أو الحكومي، كما لم يفتح نقاشاً واسعاً حول التحديات السياسية المقبلة أو موقع الحزب في المشهد السياسي الوطني، وهو ما عزز الانطباع بأن الهدف الأساسي كان ضمان استمرارية الهياكل التنظيمية وإعادة توزيع الأدوار القيادية دون إحداث تغييرات جوهرية في بنية القرار.
ويطرح هذا المسار، في نظر متابعين، أسئلة أوسع حول طبيعة المؤتمرات الحزبية في عدد من التنظيمات السياسية الكبرى، ومدى قدرتها على لعب دورها كفضاءات للنقاش والمحاسبة والتنافس الديمقراطي، بدل الاكتفاء بدور المصادقة الشكلية على قرارات تتخذ في دوائر محدودة سلفاً. فحين تتحول المؤتمرات إلى محطات إجرائية فقط، يصبح الحديث عن الديمقراطية الداخلية أقرب إلى شعار تنظيمي منه إلى ممارسة سياسية فعلية.
في النهاية، قدّم مؤتمر الجديدة انتقالاً هادئاً في واجهة القيادة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، لكنه في المقابل أعاد فتح النقاش حول طبيعة الحياة الحزبية في المغرب، وحدود التنافس الداخلي داخل الأحزاب الكبرى، ومدى قدرة المؤتمرات التنظيمية على أن تكون فضاءات حقيقية لصناعة القرار، لا مجرد لحظات لتثبيت ما تم الاتفاق عليه مسبقاً.



































