المجلس الأعلى للحسابات يدعو إلى الانتقال من منطق الأرقام إلى قياس الأثر الحقيقي للسياسات العمومية
أكدت الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، زينب العدوي، أن تطوير نجاعة السياسات العمومية يظل رهينًا بتعزيز آليات الحكامة الجيدة، وضمان تكامل الأدوار بين مختلف المتدخلين، مع الالتزام الصارم بقواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي عرض شامل همّ عدداً من القطاعات الحيوية، أبرزت العدوي أن برامج التنمية الترابية، ورغم مساهمتها في تقليص بعض الفوارق المجالية، ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية، تتجلى أساسًا في ضعف دقة التشخيص، وعدم نجاعة الاستهداف، إضافة إلى محدودية ربط التمويل بالأثر الفعلي على حياة المواطنين. ودعت في هذا السياق إلى تجاوز منطق الكم وتتبع نسب الإنجاز، نحو اعتماد مقاربة ترتكز على الجودة وقياس الأثر التنموي الحقيقي.
الفساد: بين خطورة الأفعال وتضخيم الانطباعات
وفي ما يخص محاربة الفساد، توقفت العدوي عند إشكالية تضخيم الانطباعات السائدة حوله، محذّرة من أن الخلط بين الأخطاء التدبيرية ذات الطابع الإداري، والأفعال التي تكتسي صبغة جنائية، قد يؤدي إلى تقويض الثقة في العمل العمومي. وشددت على ضرورة قراءة مخرجات الرقابة المالية بموضوعية ومهنية، مع التمييز الواضح بين ما يخضع للتأديب المالي، وما يدخل في اختصاص القضاء الزجري.
الحماية الاجتماعية: تقدم ملموس وتحديات مالية مقلقة
وعلى المستوى الاجتماعي، خصصت العدوي حيزًا مهمًا لتقييم ورش الحماية الاجتماعية، لا سيما نظام التأمين الإجباري عن المرض، الذي سجل توسعًا ملحوظًا في قاعدة المستفيدين. غير أن هذا التقدم، حسب المتحدثة، يوازيه تحدٍ حقيقي مرتبط بالتوازنات المالية واستدامة مصادر التمويل، ما يستدعي تحسين آليات الاستهداف، وتعبئة موارد مالية دائمة، وتعزيز التنسيق بين مختلف السياسات العمومية ذات الصلة.
أثر ملموس لعمل المحاكم المالية
وأبرزت المسؤولة أن المعطيات المتوفرة تؤكد الأثر الإيجابي لتدخلات المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية، سواء على المستوى الرقابي أو القضائي، حيث أسهمت هذه التدخلات في استرجاع وتحسين موارد عمومية بمليارات الدراهم، عبر تحصيل ديون وواجبات مستحقة، وتصحيح اختلالات شابت الصفقات العمومية وأساليب التدبير المفوض.
التأديب المالي: أداة للتقويم لا للعقاب.
وفي السياق ذاته، أوضحت العدوي أن اختصاص التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية لا يهدف إلى الزجر في حد ذاته، بل يشكل آلية وقائية لتقويم التدبير العمومي، والحد من الاختلالات، مع احترام الضمانات القانونية وحقوق الدفاع.
تحذير من توظيف التقارير في السياقات الانتخابية
وختمت العدوي بالتنبيه إلى مخاطر الاستغلال غير الموضوعي لتقارير المجلس، خصوصًا خلال الفترات الانتخابية، لما قد يترتب عنه من تشويش على الرأي العام وإضعاف الثقة في المؤسسات، مؤكدة أن دور المجلس يظل مؤسساتيًا محضًا، يروم خدمة الصالح العام وتعزيز مسار التنمية والديمقراطية بالمملكة.



































