رشيد الطالبي العلمي يعود إلى الواجهة قراءة في هندسة الانتقالات داخل حزب الأحرار
لم يكن تعيين رشيد الطالبي العلمي رئيسًا للمؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار خطوة تنظيمية عادية، بقدر ما شكّل مؤشّرًا سياسيًا أعاد فتح نقاش قديم–جديد حول طبيعة السلطة الفعلية داخل الحزب، ومن يملك مفاتيح تدبير مراحله الانتقالية في اللحظات الدقيقة، بعيدًا عن الواجهة القيادية الرسمية.
ففي الوقت الذي قُدِّم فيه القرار بوصفه إجراءً يهدف إلى ضمان حسن تنظيم المؤتمر، ترى مصادر حزبية متطابقة أن اختيار الطالبي العلمي يعكس لجوء الحزب إلى أحد أكثر الفاعلين خبرة في إدارة التحولات الداخلية، خصوصًا في الفترات التي تتطلب ضبط التوازنات وتفادي الانزلاقات التنظيمية.
وتؤكد هذه المصادر أن الطالبي العلمي يُنظر إليه داخل “الأحرار” باعتباره مهندس المراحل الانتقالية، واسمًا ارتبط بمحطات مفصلية في تاريخ الحزب الحديث. فقد برز دوره بشكل لافت سنة 2007، خلال الانتقال الكبير الذي أنهى مرحلة أحمد عصمان، التي امتدت لما يقارب 29 سنة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة قادها مصطفى المنصوري، ووصفت حينها بأنها بداية إعادة ترتيب داخلية عميقة أنهت نمط الزعامة الأحادية.
ومنذ ذلك الحين، ظل الطالبي العلمي حاضرًا في المشهد الحزبي، سواء من مواقع المسؤولية المباشرة أو من خلال أدوار غير معلنة في الكواليس، حيث حافظ على موقعه كفاعل مؤثر في توجيه القرارات الكبرى، حتى في الفترات التي غاب فيها عن الصفوف الأمامية.
ويعيد هذا الحضور المتجدد طرح سؤال مركزي داخل الحزب: هل يتعلق الأمر بمرحلة انتقالية عابرة، أم بإعادة تموقع محسوبة استعدادًا لتحولات أعمق؟ فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن المؤتمر الوطني الاستثنائي لا يقتصر على معالجة إكراهات تنظيمية ظرفية، بل يشكل محطة لإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الحزب، وتحديد ملامح المرحلة المقبلة، سواء على مستوى القيادة أو الخط السياسي أو العلاقة بين الهياكل التنظيمية والقاعدة الحزبية.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى رئاسة الطالبي العلمي للمؤتمر كرسالة داخلية تؤكد أن الحزب يفضّل الرهان على التجربة والقدرة على إدارة الاختلافات في لحظة حساسة، ورسالة خارجية مفادها أن “الأحرار” يسعون إلى الحفاظ على الاستقرار التنظيمي في سياق سياسي يتسم بتسارع التحولات واحتدام الرهانات الانتخابية.
كما يعكس هذا الاختيار استمرار نمط خاص في تدبير القيادة داخل الحزب، يقوم على توزيع الأدوار بين الواجهة الرسمية والفاعلين المؤثرين في الخلفية، ممن يمتلكون خبرة طويلة في إدارة اللحظات الفاصلة. وهو نمط لطالما ميّز فترات الانتقال داخل الحزب، خاصة عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل القيادة أو إعادة ضبط التوازنات الداخلية
وبين من يعتبر هذه الخطوة تكريسًا لحضور “الحرس القديم”، ومن يراها ضرورة تنظيمية تفرضها طبيعة المرحلة، يبقى الثابت أن رشيد الطالبي العلمي يظل رقمًا صعبًا داخل معادلة القرار الحزبي، وقادرًا على التأثير في مسار الحزب خلال محطاته الانتقالية الحاسمة.
في المحصلة، لا يبدو أن تعيين الطالبي العلمي جاء من فراغ أو بدافع تنظيمي محض، بل يعكس استعداد حزب التجمع الوطني للأحرار للدخول في مرحلة دقيقة، تُعاد فيها صياغة التوازنات بهدوء، لكن بوعي كامل بثقل المرحلة السياسية وحساسية الاستحقاقات المقبلة.



































